الْقِيَاسُ: أَنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ مَحَلُّهَا الأَمْرُ وَالْمُضَارِعُ. [1]
الْمُخَالَفَةُ: جَاءَ دُخُولُ نُونِ التَّوْكِيدِ عَلَى الْمَاضِي، مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِ الرَّسُولِ (: «لأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ، مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ: أَحَدُهُمَا، رَأْيَ الْعَيْنِ، مَاءٌ أَبْيَضُ، وَالآخَرُ، رَأْيَ الْعَيْنِ، نَارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، وَلْيُغَمِّضْ، ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ» [2] .
نُونَا التَّوْكِيدِ (الْخَفِيفَةُ وَالثَّقِيلَةُ) مُخْتَصَّتَانِ بِفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ «لأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا تَوْكِيدُ مَا لَمْ يَقَعْ؛ لِيَكُونَ حَامِلًا عَلَى الإِيقَاعِ؛ وَلِذَلِكَ اخْتَصَّا بِالْقَسَمِ، وَالأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، وَالاِسْتِفْهَامِ، وَهَذَا لاَ يَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ الْفِعْلِ» [3] .
وَلِدُخُولِ نُونَيِ التَّوْكِيدِ فِي فِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ تَفْصِيلٌ [4] هُوَ:
أَوَّلًا: أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهُمَا فِي فِعْلِ الأَمْرِ مُطْلَقًا، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «فَأَمَّا الأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَإِنْ شِئْتَ دَخَلَتْ فِيهِ النُّونُ، وَإِنْ شِئْتَ لَمْ تَدْخُلْ ... » [5] .
ثَانِيًا: أَنَّ الْمُضَارِعَ، إِنْ دَلَّ عَلَى الْحَالِ لَمْ يُؤَكَّدْ بِهِمَا، وَإِنْ كَانَ لِلاِسْتِقْبَالِ أُكِّدَ بِهِمَا جَوَازًا، وَيَجِبُ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ، إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مُثْبَتًا، مُسْتَقْبَلًا، غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْ لاَمِ الْقَسَمِ بِفَاصِلٍ. [6]
ثَالِثًا: أَنَّ الْمَاضِيَ لاَ تَدْخُلُهُ نُونَا التَّوْكِيدِ إِلاَّ شُذُوذًا، قَالَ أَبُو حَيَّانٍ: « ... وَمَحَلُّهُمَا صِيغَةُ الأَمْرِ مَبْنِيًّا وَمُعْرَبًا مُتَصَرِّفًا، نَحْوُ"اضْرِبَنَّ"، وَ"لْيَقُومَنَّ زَيْدٌ"، وَغَيْرَ مُتَصَرِّفٍ، نَحْوُ"تَعْلَمَنَّ"، بِمَعْنَى: اعْلَمْ، فِي الْمَشْهُورِ، وَ"هَلُمَنَّ"فِي لُغَةِ مَنْ جَعَلَهَا فِعْلًا.
(1) ينظر: الارتشاف 2/ 653.
(2) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب (20) ، ح 105 - (2934) 4/ 2249.
(3) اللباب في علل البناء والإعراب 2/ 66.
(4) ينظر: التصريح على التوضيح 2/ 300، 301، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم 3/ 448 (القسم الأول- الجزء الثالث) .
(5) الكتاب 3/ 509.
(6) ينظر: شرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 1/ 503، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم 3/ 451، 452 (القسم الأول- الجزء الثالث) .