الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ لِلصَّيْرُورَةِ، نَحْوُ قَوْلِنَا:"أَصْبَحْنَا وَأَمْسَيْنَا، وَأَفْجَرْنَا"، أَيْ: صِرْنَا فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ ....
الْخَامِسُ: أَنْ يَأْتِي"فَعَلْتُ وَأَفْعَلْتُ"بِمَعْنًى وَاحِدٍ، نَحْوُ"جَدَّ فِي الأَمْرِ وَأَجَدَّ .... » [1] ."
وَعَلَى هَذَا، فَلاَ مَانِعَ مِنْ تَوْجِيهِ"أَكَبَّ"عَلَى مَعْنَى الصَّيْرُورَةِ -كَمَا ذَكَرَ الرَّضِيُّ [2] - أَيْ: صَارَ يُكَبُّ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: «أَنْ يَكُبَّهُ» جَارِيًا عَلَى سَنَنِ الْقِيَاسِ؛ فَلاَ وَجْهَ لِوَسْمِهِ بِالْمُخَالَفَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُ"أَكَبَّ"بِمَعْنَى الْمُطَاوَعَةِ [3] ، فَقَدْ رَدَّهُ الرَّضِيُّ قَائِلًا: «وَقَوْلُهُمْ:"أكَبَّ مُطَاوِعَ كَبَّهُ"تَدْرِيسٌ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ كَوْنُ"أَفْعَلَ"لِتَعْدِيَةِ"فَعَلَ"، لاَ لِمُطَاوَعَتِهِ» [4] .
ثَالِثًا: أَنَّ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ"كَبَّ"وَرَدَ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: لاَزِمٌ حِينًا، وَمُتَعَدٍّ حِينًا آخَرَ، قَالَ صَاحِبُ (الْقَامُوسِ) : «كَبَّهُ: قَلَبَهُ، وَصَرَعَهُ، كَـ"أَكَبَّهُ، وَكَبْكَبَهُ، فَأَكَبَّ، وَهُوَ لاَزِمٌ مُتَعَدٍّ» [5] ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَحَكَى ابْنُ الأَعْرَابِيِّ فِي الْمُتَعَدِّي"كَبَّهُ وَأَكَبَّهُ"مَعًا» [6] ."
وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّقْلَ بِالْهَمْزَةِ كُلَّهُ سَمَاعِيٌّ.
رَابِعًا: أَنَّ الَّذِينَ اسْتَضْعَفُوا تَعَدِّيَ"كَبَّ"اعْتَمَدُوا عَلَى الْقِيَاسِ، أَمَّا الَّذِينَ أَثْبَتُوا تَعَدِّيَهُ احْتَجُّوا بِالسَّمَاعِ الَّذِي مِنْهُ الْحَدِيثَانِ السَّابِقَانِ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْقِيَاسُ وَالسَّمَاعُ كَانَ اتِّبَاعُ السَّمَاعِ أَوْلَى.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) شرح الملوكي، ص:68 - 70 مختصرًا.
(2) ينظر: شرح الشافية 1/ 88.
(3) ينظر: شرح التسهيل 3/ 450، والنهاية (ك ب ب) ، وهمع الهوامع 6/ 23.
(4) شرح الشافية 1/ 88.
(5) القاموس (ك ب ب) .
(6) فتح الباري 1/ 102.