مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ"، وَجَوَّزَ الْحَذْفَ ذِكْرُ مِثْلِ الْمَحْذُوفِ، وَحَسَّنَهُ دَفْعُ التَّكْرَارِ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّنْوِينَ عَلَى رَأْيِ الْبَصْرِيِّينَ مُمْتَنِعٌ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ تَنْوِينِهِ إِرَادَةُ التَّنْصِيصِ عَلَى الاِسْتِغْرَاقِ، وَمَعَ التَّنْوِينِ يَكُونُ الاِسْتِغْرَاقُ ظَاهِرًا لاَ نَصًّا ... » [1] ."
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: « ... فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا نُوِّنَ الاِسْمُ كَانَ مُطَوَّلًا، وَ"لاَ"عَامِلَةٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهَا عِنْدَ الْعَمَلِ نَاصَّةٌ عَلَى الاِسْتِغْرَاقِ.
قُلْتُ: نَصَّ بَعْضُهُمُ الاِسْتِغْرَاقَ بِحَالَةِ الْبِنَاءِ مِنْ جِهَةِ تَضَمُّنِ مَعْنَى"مِنْ"الاِسْتِغْرَاقِيَّةِ، وَلَوْ سُلِّمَ مَا قُلْتَهُ لَمْ يُعَيَّنْ عَمَلُهَا فِي هَذَا الاِسْمِ الْمَنْصُوبِ، حَتَّى يَكُونَ النَّصُّ عَلَى الاِسْتِغْرَاقِ حَاصِلًا؛ لاِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: لاَ نَجِدُ، وَلاَ نَرَى مَانِعًا وَلاَ مُعْطِيًا، فَعُدِلَ إِلَى الْبِنَاءِ؛ لِسَلاَمَتِهِ مِنْ هَذَا الاِحْتِمَالِ. اهـ» [2] .
يُلْحَظُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ"لاَ"تَعْمَلُ عَمَلَ"إِنَّ"فَتَنْصِبُ الاِسْمَ، وَتَرْفَعُ الْخَبَرَ؛ لِمُضَارَعَتِهَا إِيَّاهَا فِي [3] :
-أَنَّّ كُلاًّ مِنْهُمَا يَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الاِسْمِيَّةِ.
-وَأَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا لِلتَّأْكِيدِ: فَـ"لاَ"لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَ"إِنَّ"لِتَأْكِيدِ الإِثْبَاتِ.
-وَأَنَّ"لاَ"نَقِيضَةُ"إِنَّ"، وَالشَّيْءُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى نَقِضِيهِ، كَمَا يُحْمَلُ عَلَى نَظِيرِهِ.
-وَأَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا لَهُ صَدْرُ الْكَلاَمِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي عَمَلِ"لاَ"عَمَلَ"إِنَّ"مَا يَلِي [4] :
1 -أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً، لاَ زَائِدَةً.
2 -أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ بِهَا الْجِنْسَ جَمِيعًا.
3 -أَنْ يَكُونَ نَفْيُهَا نَصًّا، وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى نَكِرَةٍ، وَأُرِيدَ بِهَا النَّفْيُ الْعَامُّ، وَقُدِّرَ فِيهَا"مِنْ"الاِسْتِغْرَاقِيَّةُ.
(1) مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:286، وينظر: حاشية الصبان مع الأشموني 2/ 6.
(2) إرشاد الساري 2/ 509، 510.
(3) ينظر: التصريح على التوضيح 1/ 336.
(4) ينظر: شرح الكافية 2/ 184، والتصريح على التوضيح 1/ 337.