فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 1015

مِنْ أَسْمَاءِ الْجُثَثِ، وَالأَصْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِظَرْفِ الزَّمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَعَانِي، كَقَوْلِكَ:"غَدًا التَّأَهُّبُ، وَبَعْدَ غَدٍ الرَّحِيلُ". فَلَوْ قِيلَ:"غَدًا زَيْدٌ، وَبَعْدَ غَدٍ عَمْرٌو"، لَمْ يَجُزْ.

فَلَوْ كَانَ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى اسْمِ مَعْنًى مَحْذُوفٍ، جَازَ، كَقَوْلِكَ:"قُدُومُ زَيْدٍ الْيَوْمَ وَعَمْرٌو غَدًا"، أَيْ: وَقُدُومُ عَمْرٍو، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مُقَامَهُ؛ لِوُضُوحِ الْمَعْنَى.

فَكَذَلِكَ يُقَدَّرُ قَبْلَ (الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مُضَافَانِ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَعَانِي؛ لِيَكُونَ ظَرْفَا الزَّمَانِ خَبَرَيْنِ عَنْهُمَا، وَالْمُرَادُ-وَاللهُ أَعْلَمُ-: فَغَدًا تَعْيِيدُ الْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ تَعْيِيدُ النَّصَارَى» [1] .

-وَذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى أَنَّ"غَدًا"وَ"بَعْدَ غَدٍ"مَنْصُوبَانِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يُعَظِّمُونَ. [2]

-وَذَهَبَ الطَّيْبِيُّ إِلَى أَنَّ"الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى"مُبْتَدَآنِ، خَبَرُهُمَا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تَبَعٌ لَنَا، «أَيِ: الْيَهُودُ تَبَعٌ لَنَا فِي غَدٍ، وَالنَّصَارَى تَبَعٌ لَنَا بَعْدَ غَدٍ، وَالْقَرِينَةُ قَوْلُهُ:"وَالنَّاسُ لَنَا تَبَعٌ"؛ لأَنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ» [3] .

يُلْحَظُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ ظَرْفَ الْمَكَانِ يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الذَّاتِ وَالْمَعْنَى، وَأَمَّا ظَرْفُ الزَّمَانِ فَيَكُوَنَ خَبَرًا عَنِ الْمَعْنَى، وَلاَ يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الذَّاتِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الذَّاتُ شَبِيهَةً بِالْمَعْنَى، مِنْ حَيْثُ حُدُوثُهَا حِينًا دُونَ حِينٍ، أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ اسِمُ مَعْنًى آخَرُ مُقَدَّرٌ قَبْلَ اسْمِ الذَّاتِ.

ثَانِيًا: أَنَّ أَكْثَرَ الشُّرَّاحِ وَالْمُعْرِبِينَ تَقَبَّلُوا قَبُولًا حَسَنًا تَأْوِيلَ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ بِتَقْدِيرِ اسْمِ مَعْنًى قَبْلَ الذَّاتِ، فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ (:(الْيَهُودُ غَدًا) أَيْ: عِيدُ الْيَهُودِ غَدًا؛ لأَنَّ ظُرُوفَ الزَّمَانِ لاَ تَكُونُ أَخْبَارًا عَنِ الْجُثَثِ، فَيُقَدَّرُ فِيهِ مَعْنًى يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ خَبَرًا» [4] .

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(1) شواهد التوضيح، ص:94، 95.

(2) ينظر: المفهم 2/ 493، والتنقيح 1/ 235.

(3) شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 3/ 206.

(4) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 6/ 381، 382.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت