أَحَدُهُمَا: إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ أَوِ الذَّاتُ تُشْبِهُ الْمَعْنَى، فِي حُدُوثِهَا وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، فَيُقَالُ -مَثَلًا-:"الرُّطَبُ فِي شَهْرِ كَذَا، وَالْكَمْأَةُ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ، وَاللَّيْلَةَ الْهِلاَلُ"؛ لأَنَّ الرُّطَبَ، وَالْكَمْأَةَ، وَالْهِلاَلَ، تُشْبِهُ الْمَعْنَى؛ لِظُهُورِهَا وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ [1] .
وَالْمَوْضِعُ الآخَرُ: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى إِضَافَةِ مَعْنًى إِلَى الْعَيْنِ تَقْدِيرًا، نَحْوُ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:"الْيَوْمَ خَمْرٌ، وَغَدًا أَمْرٌ"، فَتَقْدِيرُهُ: الْيَوْمَ شُرْبُ خَمرٍ، وَغَدًا حُدُوثُ أَمْرٍ [2] .
وَمِثْلُ أَنْ يَقْدُمَ مِنْ سَفَرٍ قَوْمٌ، كَانَ مَعَهُمْ"زَيْدٌ"، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ:"زَيْدٌ غَدًا". [3]
زَادَ ابْنُ مَالِكٍ مَوْضِعًا ثَالِثًا، يَجُوزُ فِيهِ الإِخْبَارُ بِظَرْفِ الزَّمَانِ عَنِ الْجُثَّةِ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ اسْمًا عَامًّا، وَالْخَبَرُ ظَرْفَ زَمَانٍ خَاصٍّ، مَسْؤُولًا بِهِ عَنْ خَاصٍّ، كَقَوْلِكَ:"نَحْنُ فِي شَهْرِ كَذَا، وَ: فِي أَيِّ الْفُصُولِ نَحْنُ؟، وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ [4] ."
أَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) فَقَدْ أَوَّلَهُ الشُّرَّاحُ وَالْمُعْرِبُونَ -تَبَعًا وَتَرْجِيحًا لِمَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ-؛ لأَنَّ"غَدًا"وَ"بَعْدَ غَدٍ"ظَرْفَا زَمَانٍ، وَ"الْيَهُودُ"وَالنَّصَارَى"جُثَثٌ، وَالإِخْبَارُ بِظَرْفِ زَمَانٍ عَنِ جُثَّةٍ مَحْذُورٌ [5] ؛ لِذَا قَدَّرُوا مُضَافًا مَحْذُوفًا، قَبْلَ اسْمَيِ الْجُثَّةِ؛ لِيَكُونَ الإِخْبَارُ بِالزَّمَانِ:"
-بَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِ"عِيدُ الْيَهُودِ غَدًا، وَعِيدُ النَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ"، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ:» وَ (الْيَهُودُ) عِيدُ الْيَهُودِ أَوْ مَجْمَعُهُمْ غَدًا؛ لأَنَّ ظُرُوفَ الزَّمَانِ لاَ تَكُونَ أَخْبَارًا عَنِ الْجُثَثِ، فَيُقَدَّرُ فِيهِ مَعْنًى يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ خَبَرًا، وَ (غَدًا) السَّبْتُ، وَ (بَعْدَ غَدٍ) الأَحَدُ « [6] .
-وَقَدَّرَهُ آخَرُونَ بِـ"تَعْيِيدُ الْيَهُودِ غَدًا، وَتَعْيِيدُ الْنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ" [7] ، وَجَعَلَ ابْنُ حَجَرٍ هَذَا التَّقْدِيرَ أَوْجَهَ التَّقْدِيرَاتِ، [8] وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ:» فِي هَذَا الْحَدِيثِ وُقُوعُ ظَرْفِ الزَّمَانِ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ هُوَ
(1) ينظر: الارتشاف 3/ 1123، 1124، والمقتصد 1/ 290.
(2) ينظر: شرح الكافية الشافية 1/ 351.
والبحث يرى أنه لا حاجة إلى تقدير: وغدا حدوث أمر؛ لأن الأمر ليس ذاتا كالخمر.
(3) ينظر: الكافية الشافية 1/ 351.
(4) ينظر: شرح التسهيل 1/ 320، وشرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 3/ 206، والارتشاف 3/ 1124.
(5) المفهم 2/ 493.
(6) الكواكب الدراري 6/ 3. وينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 6/ 381، 382.
(7) ينظر: التنقيح 1/ 235، وإرشاد الساري 2/ 541.
(8) ينظر فتح الباري 2/ 414.