وَقَالَ -أَيْضًا-: «قَوْلُهُ: (إِسْكَاتَةً) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، عَلَى وَزْنِ"إِفْعَالَةٍ"، قَالَ بَعْضُهُمْ:"إِسْكَاتَةً"مِنَ السُّكُوتِ.
قُلْتُ: لاَ، بَلْ مِنَ"أَسْكَتَ"، وَالسُّكُوتُ مِنْ"سَكَتَ"، وَهَذَا الْوَزْنُ لِلْمَرَّةِ وَالنَّوْعِ مِنَ الثُّلاَثِيِّ الْمَزِيدِ فِيهِ، وَمِنَ الْمُجَرَّدِ، يَجِيءُ عَلَى"سَكْتَةٍ"بِالْفَتْحِ لِلْمَرَّةِ، وَبِالْكَسْرِ لِلنَّوْعِ ... » [3] .
تبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلَي:
أَوَّلًا: أَنَّ"فَعَلَ"اللاَّزِمَ قِيَاسُ مَصْدَرِهِ"فُعُولٌ، إِلاَّ فِي مَعَانٍ سَبْعَةٍ، هِيَ: الاِمْتِنَاعُ، وَالتَّقَلُّبُ، وَالدَّاءُ، وَالصَّوْتُ، وَالسَّيْرُ، وَالْحِرْفَةُ، وَالْوِلاَيَةُ، وَزَادَ ابْنُ الْحَاجِّ الْمُعْتَلَّ الْعَيْنِ."
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ"إِسْكَاتَةً"مِنْ"سَكَتَ يَسْكُتُ"، مُخَالِفَةٌ لِلْقِيَاسِ؛ لأَنَّهَا مِنْ"فَعَلَ"اللاَّزِمِ، وَمِنْ غَيْرِ الْمَعَانِي الْمُسْتَثْنَاةِ.
ثَانِيًا: أَنَّ الْحَدِيثَ السَّابِقَ وَرَدَ بِرِوَايَتَيْنِ:"يَسْكُتُ .... إِسْكَاتَةً"، وَ"يُسْكِتُ .... إِسْكَاتَةً"، فَالرِّوَايَةُ الأُولَى مُخَالِفَةٌ لِلْقِيَاسِ، وَالثَّانِيَةُ مُوَافِقَةٌ.
وَيُلْحَظُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الأُولَى"يَسْكُتُ إِسْكَاتَةً"-عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مُخَالَفَتِهَا الْقِيَاسَ- فَهِيَ الَّتِي تُوَافِقُ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَدِيثِ؛ لأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: السُّكُوتُ انْقِطَاعٌ لاَ يَقْتَضِي بَعْدَهُ كَلاَمًا وَأَمَّا الإِسْكَاتَةُ فَانْقِطَاعٌ بَعْدَهُ كَلاَمٌ، [4] وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ السُّكُوتَ عَنِ الْجَهْرِ أَوِ الْقِرَاءَةِ، لاَ عَنْ مُطْلَقِ الْقَوْلِ وَالذِّكْرِ.
وَفِي هَذَا يَقُولُ ابْنُ الأَثِيرِ: «وَفِيهِ (مَا تَقُولُ فِي إِسْكَاتَتِكَ) هِيَ"إِفْعَالَةٌ"مِنَ السُّكُوتِ، مَعْنَاهَا: سُكُوتٌ يَقْتَضِي بَعْدَهُ كَلاَمًا، أَوْ قِرَاءَةً مَعَ قِصَرِ الْمُدَّةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَذَا السُّكُوتِ
(1) سورة نوح، الآية: 17.
(2) عمدة القاري 5/ 293.
(3) عمدة القاري 5/ 293.
(4) ينظر: الصحاح (س ك ت) .