وَيُسْتَدْرَكُ عَلَى مَا سَبَقَ: أَنَّ كَوْنَ اللُّغَةِ الْمُشْتَرَكَةِ أَفْصَحَ مِنْ غَيْرِهَا لَيْسَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، بَلْ هُنَاكَ خِلاَفٌ عَرِيضٌ بَيْنَ الرُّوَاةِ فِي: أَيِّ الْقَبَائِلِ، أَفْصَحُ؟، مِنْ ذَلِكَ [1] :
1 -قَوْلُ الْخَلِيلِ: «أَفْصَحُ الْعَرَبِ نَصْرُ قَعِينٍ أَوْ قَعِينُ نَصْرٍ» [2] .
2 -وَمَا رَوَاهُ أَبُو عَمْرٍو: «أَفْصَحُ النَّاسِ عُلْيَا تَمِيمٍ وَسُفْلَى قَيْسٍ» [3] .
الْمَذْهَبُ الأَوَّلُ: أَنَّ الأَفْصَحَ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ [4] ، قَالَ الْجَارَبَرْدِيُّ: «فَإِنْ قُلْتَ: مَا يُقْصَدُ بِالْفَصِيحِ؟ وَبِأَيِّ شَيْءٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ فَصِيحٍ، وَغَيْرُهُ فَصِيحٌ؟ قُلْتُ: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُصَحَاءِ الْمَوْثُوقِ بِعَرَبِيَّتِهِمْ أَدْوَرَ، وَاسْتِعْمَالُهُمْ لَهُ أَكْثَرُ» [5] .
وَقَالَ مُصْطَفَى صَادِقٍ الرَّافِعِيُّ: «وَالْفَصِيحُ عِنْدَهُمْ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ، وَدَارَ فِي أَكْثَرِ لُغَاتِهِمْ؛ لأَنَّ تَكْرَارَهُ عَلَى الأَلْسِنَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِطَبِيعَتِهَا فِي سِيَاسَةِ الْمَنْطِقِ دَلِيلٌ عَلَى تَحَقُّقِ الْمُنَاسَبَةِ الْفِطْرِيَّةِ فِيهِ» [6] .
وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ سَارَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَلاَغَةِ، أَسَاطِينُ الْفَصَاحَةِ، وَحَرَّرُوا ضَوَابِطَ تُسَهِّلُ مَعْرِفَةَ مَا أَكْثَرَتِ الْعَرَبُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ؛ إِذْ لاَ يُمْكِنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ بِزَمَانِ الْعَرَبِ.
ضَوَابِطُ الْفَصَاحَةِ عِنْدَ الْبَلاَغِيِّينَ [7] هِيَ:
أَوَّلًا: خُلُوصُ الْكَلِمَةِ مِنْ تَنَافُرِ الْحُرُوفِ، الْمُؤَدِّي إِلَى عُسْرِ النُّطْقِ بِهَا، بِسَبَبِ تَقَارُبِ الْمَخَارِجِ.
ثَانِيًا: ظُهُورُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ، فَلاَ تَكُونُ غَرِيبَةً يَحْتَاجُ فِي مَعْرِفَتِهَا إِلَى أَنْ تُبْحَثَ عَنْهَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَلاَ وَحْشِيَّةً تَكْرَهُ الأُذْنُ سَمَاعَهَا.
ثَالِثًا: عَدَمُ مُخَالَفَتِهَا لِلْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ بِقِلَّةِ الاِسْتِعْمَالِ حَتَّى يُخْرِجَ بِهَذَا الْقَيْدِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ.
(1) للمزيد ينظر: اللهجات العربية في التراث 1/ 184، 185.
(2) كتاب العين (ق ع ن) 1/ 169.
(3) المزهر 2/ 483.
(4) ينظر: حركة التصحيح اللغوي في العصر الحديث، ص:196.
(5) مجموعة الشافية من علمي الصرف والخط 2/ 16، 17.
(6) تاريخ آداب العرب 1/ 131.
(7) ينظر: بغية الإيضاح 1/ 12، وشرح الحدود النحوية/ للفاكهي، ص:35، ودارسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر، ص:14.