فَـ (عَدَمُ تَنَافُرِ الْحُرُوفِ، وَعَدَمُ الْغَرَابَةِ، وَعَدَمُ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ) هِيَ الْمَقَايِيسُ الثَّلاَثَةُ، الَّتِي تُضْبَطُ بِهَا فَصَاحَةُ الْكَلِمَةِ، وَهِيَ الَّتِي مَلَكَتْ زِمَامَ الْفِكْرِ الْبَلاَغِيِّ فِي فَصَاحَةِ الْكَلِمَةِ، مِنْ لَدُنِ الْخَطِيبِ الْقَزْويِنِيِّ [1] إِلَى الْيَوْمِ. [2]
وَقَدْ خَالَفَ اللُّغَوِيُّونَ وَبَعْضُ الْبَلاَغِيِّينَ فِي كَوْنِ (مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ) مِقْيَاسًا لِلْفَصَاحَةِ، وَاكْتَفَوْا بِجَعْلِ (كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ) مِعْيَارًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْكَثِيرُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ السُّيُوطِيُّ: « ... التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُخِلَّ هُوَ قِلَّةُ الاِسْتِعْمَالِ وَحْدَهَا، فَرَجَعَتِ الْغَرَابَةُ وَمُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ إِلَى اعْتِبَارِ قِلَّةِ الاِسْتِعْمَالِ وَالتَّنَافُرِ كَذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ مَدَارِ الْفَصَاحَةِ عَلَى كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ، وَعَدَمِهَا عَلَى قِلَّتَهِ» [3] .
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّ الأَفْصَحَ مَا أَبَانَ عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَلَيْسَتِ الْفَصَاحَةُ فِي كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ، وَلاَ قِلَّتِهِ [4] ؛ إِذْ إِنَّهُ قَدْ يَأْتِي فِي كَلاَمِ مَنْ يُوثَقُ بِفَصَاحَتِهِ-كَالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَلاَمِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ- مَا يَشِذُّ عَنِ الْقِيَاسِ وَالاِطِّرَادِ، وَلاَ يُقَالُ: إِنَّ الْمَقِيسَ الْمُطَّرِدَ أَفْصَحُ مِنَ الشَّاذِّ، مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ (: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» [5] ، فَالأَصْلُ فِي"مَأْزُورَاتٍ":"مَوْزُورَاتٌ"؛ لأَنَّهُ مِنَ الْوِزْرِ، وَلاَ أَحَدَ يَقُولُ: إِنَّ"مَوْزُورَاتٍ"أَفْصَحُ مِنْ"مَأْزُورَاتٍ"؛ لأَنَّ الْمَهْمُوزَةَ جِيئَتْ بِهَا إِتْبَاعًا لِـ"مَأْجُورَاتٍ"، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ النَّظْمِ، وَالتَّأْلِيفِ، وَالسَّجَعِ، يَسْتَعْمِلُهُ الْخُطَبَاءُ وَالْبُلَغَاءُ؛ طَلَبًا لِلْوَزْنِ؛ وَتَقْرِيبًا لِلْمَنْطِقِ، وَعُدُولًا عَنِ الأَصْلِ لِعَارِضٍ مِنَ الْعَوَارِضِ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لاَ يُقَالُ: هَذَا الْخَارِجُ عَنِ الْقِيَاسِ أَقَلُّ فَصَاحَةً مِنْ أَصْلِهِ، كَمَا لاَ يُقَالُ: الأَصْلُ الْمَتْرُوكُ أَقَلُّ فَصَاحَةً مِمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْفَصِيحُ مَا أَفْصَحَ عَنِ الْمَعْنَى، وَاسْتَقَامَ لَفْظُهُ عَلَى الْقِيَاسِ الْكَثِيرِ أَوِ الْقَلِيلِ، لاَ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ. [6]
(1) ينظر: بغية الإيضاح 1/ 12.
والخطيب القزويني هو: محمد بن عبد الرحمن بن عمر، ولد سنة (666 هـ) ، وسكن الروم مع والده وأخيه، وتفقه، حتى ولي قضاء ناحية بالروم، وله من العمر دون العشرين، ثم قدم دمشق، وسمع من العز الفاروقي وطائفة، وأتقن الأصول والعربية والمعاني والبيان، من مؤلفاته"تلخيص المفتاح"، توفي سنة (739 هـ) . ينظر: الدرر الكامنة، رقم (3868) 4/ 120.
(2) ينظر: مقاييس البلاغيين في فصاحة الكلمة،/ للدكتور الشحات محمد أبو ستيت، ص:127.
(3) المزهر 1/ 188.
(4) ينظر: تصحيح الفصيح، ص:110 - 111، ودارسات في روايات غريب الحديث والأثر، ص:14.
(5) الحديث في: مصنف عبد الرزاق، ح (6298) 3/ 456.
(6) ينظر: تصحيح الفصيح، ص:110 - 111، والمزهر 1/ 208، ودارسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر، ص:14.