هَذَا، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ مَنْظُورٍ حَذْفَ الْيَاءِ مِنْ"فُعَيلٍ"فِي النَّسَبِ قِيَاسًا، ثُمَّ وَصَفَهُ بِالنُّدْرَةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا النَّادِرَ أَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ: «وَهُذَيْلٌ: قَبِيلَةٌ، النِّسْبَةُ إِلَيْهَا"هُذَيْلِيٌّ"وَ"هُذَلِيٌّ"قِيَاسٌ وَنَادِرٌ، وَالنَّادِرُ فِيهِ أَكْثَرُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ» [1] .
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ الاِسْمَ إِذَا كَانَ عَلَى وَزْنِ"فُعَيْلٍ، وَفَعِيلٍ"فَإِنَّهُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ -قِيَاسًا- عَلَى لَفْظِهِ مِنْ دُونِ حَذْفٍ؛ لِذَا شَذَّ -عِنْدَ الْجُمْهُورِ-"قُرَشِيٌّ"نِسْبَةً إِلَى"قُرَيْشٍ"؛ لِحَذْفِ الْيَاءِ مِنْ"فُعَيْلٍ".
وَالْمُسَوِّغُ لِهَذَا الشُّذُوذِ اسْتِثْقَالُ الْعَرَبِ اجِتْمَاعَ ثَلاَثِ يَاءَاتٍ مَعَ كَسْرَةٍ فِي وَسَطِهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْحَذْفَ بِدَايَةُ تَطَوُّرٍ فِي بِنْيَةِ الْكَلِمَةِ مِنَ الطُّولِ إِلَى الْقِصَرِ.
ثَانِيًا: أَنَّ إِثْبَاتَ الْيَاءِ عِنْدَ النَّسَبِ إِلَى"فُعَيْلٍ"-قِيَاسًا- لُغَةٌ تُنْسَبُ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَحَذْفَهَا -شُذُوذًا- لُغَةٌ لأَهْلِ تِهَامَةَ وَالْحِجَازِ.
ثَالِثًا: أَنَّ قَوْلَ ابْنِ مَنْظُورٍ: «وَ"هُذَلِيٌّ"قِيَاسٌ وَنَادِرٌ، وَالنَّادِرُ فِيهِ أَكْثَرُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ» ظَاهِرُهُ التَّنَاقُضُ؛ لأَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ الشَّيْءُ نَادِرًا، ثُمَّ يُوصَفُ بِأَنَّهُ الْقِيَاسُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْكَلاَمِ؟.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ تَنَاقُضَ فِيهِ؛ لأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ نَادِرًا لاَ يَنْفِي كَوْنَهُ قِيَاسًا، إِذَا كَانَ كُلَّ أَوْ أَكْثَرَ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَيَقْصِدُ -أَيْضًا- أَنَّ أَكْثَرَ كَلاَمِ الْعَرَبِ فِي النِّسْبَةِ إِلَى"هُذَيْلٍ: هُذَلِيٌّ"بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَلاَ يَقْصِدُ أَنَّ أَكْثَرَ كَلاَمِ الْعَرَبِ حَذْفُ الْيَاءِ مِنْ"فُعَيْلٍ"عُمُومًا، وَإِلاَّ لَمَا كَانَ إِثْبَاتُهَا قِيَاسًا، كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) اللسان (هـ ذ ل) 11/ 694.