فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 1015

وَمِمَّنَ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ [1] ، وَلَهُ سَنَدٌ مِنْ أَسْلاَفِهِ، وَتَأْيِيدٌ مِنْ لاَحِقِيهِ، فَأَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، شَيْخُ سِيبَوَيْهِ، كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ الْفَصِيحِ وَالشَّاذِّ، وَمِثْلُهُ أَصْحَابُ الْمَدْرَسَةِ الْكُوفِيَّةِ بِِصِفَةٍ عَامَّةٍ؛ إِذْ أَجَازُوا الْقِيَاسَ عَلَى الْمَسْمُوعِ الْقَلِيلِ، وَإِنْ كَانَ مِثَالًا وَاحِدًا شَاذًّا. [2]

الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّ الأَفْصَحَ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ الْمَشْهُورُ الْمُفْصِحُ عَنِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ أَوْ خَطَأً.

فَهَذَا الْمَذْهَبُ جَمْعٌ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَقَدِ اخْتَارَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ الْمُحْدَثِينَ، مِنْهُمْ مَحْمُودْ تَيْمُورْ [3] ، الَّذِي يَرَى أَنَّ اللُّغَةَ ظَاهِرَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ، تَتَوَلَّدُ مِنَ الْحَاجَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ، وَضَرُورَةِ الْوَاقِعِ؛ لِذَا فَإِنَّ الصِّحَةَ اللُّغَوِيَّةَ تُسْتَمَدُّ مِنَ الاِسْتِعْمَالِ الشَّائِعِ، الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْخَطَأِ الْمَشْهُورِ؛ لأَنَّ الْعَرَبَ قَالَتْ قَدِيمًا"خَطَأٌ مَشْهُورٌ أَحْسَنُ مِنَ صَوَابٍ مَهْجُورٍ". [4]

وَيُسْتَخْلَصُ مِمَّا مَضَى مَا يَلِي:

أَوَّلًا: أَنَّ الْبَحْثَ يُرَجِّحُ أَنَّ"الأَفْصَحَ مَا أَفْصَحَ عَنِ الْمَعْنَى"سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَمْ خَالَفَهُ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فَصِيحًا؛ إِذْ لَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ-كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الأَوَّلِ- لَمَّا وُجِدَ مَا يُسَمَّى فِي الدَّرْسِ اللُّغَوِيِّ بِـ"لَحْنِ الْعَوَامِّ"؛ إِذِ الْعَوَامُّ فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ أَكْثَرُ مِنَ الْخَوَاصِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْعَوَامُّ فَصِيحًا صَحِيحًا.

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الأَفْصَحَ: مَا أَفْصَحَ عَنِ الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي الاِسْتِعْمَالِ، أَوْ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ؛ إِذِ الْفَصَاحَةُ -كَمَا يَرَى عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ [5] - لَيْسَتْ صِفَةً مُلاَزِمَةً لِلْكَلِمَةِ، فَقَدْ تَكُونُ الْكَلِمَةُ فَصِيحَةً فِي مَوْضِعٍ، وَغَيْرَ فَصِيحَةٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

(1) ينظر: تصحيح الفصيح، ص:36، 37.

وابن دُرُسْتَوَيْهِ -بضم الدال والراء، وقيل: الفتح- هو: أبو محمد، عبد الله بن جعفر بن دُرُسْتَوَيْهِ، الفارسي، الفَسَوِيّ، من علماء العربية، أخذ عن المبرد إلى حين وفاته، ومن مصنفاته:"تصحيح الفصيح"، و"الإرشاد"، توفي سنة (347 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 2/ 112 - 115، وإشارة التعيين، ص:162، وبغية الوعاة 2/ 36.

(2) ينظر: القياس في اللغة العربية/ لمحمد الخضر حسين، ص:41، واللغة والنحو/ لعباس حسن، ص:45، ودراسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر، ص:16.

(3) ينظر: لغة المجتمع، مجلة مجمع القاهرة، المجلد التاسع، ص:19 - 31.

(4) ينظر: أعمال مجمع اللغة/ للحمزاوي، ص:178.

(5) ينظر: كتاب دلائل الإعجاز، ص:261.

وعبد القاهر الجرجاني هو: ابن عبد الرحمن، فارسي الأصل، إمام في اللغة والبلاغة، تخرج على أبي الحسين بن عبد الوارث الفارسي، ولم يقرأ على غيره، من مصنفاته:"شرح الإيضاح"، و"دلائل الإعجاز"، و"أسرار البلاغة"، توفي بجرجان من بلاد فارس، سنة إحدى وسبعين وأربع مئة (471 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 2/ 188 - 190، وإشارة التعيين، ص:188، 189، وبغية الوعاة 2/ 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت