فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 1015

ثَانِيًا: أَنَّ لاِخْتِلاَفِ اللُّغَوِيِّينَ وَالْبَلاَغِيِّينَ فِي مِعْيَارِ فَصَاحَةِ الأَلْفَاظِ وَالتَّرَاكِيبِ أَثَرًا فِي حُكْمِهِمْ عَلَى مَا خَرَجَ عَنِ الْقِيَاسِ [1] :

-فَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُونَ اسْتِعْمَالَ مَا خَرَجَ عَنِ الْقِيَاسِ؛ لأَنَّهُ مُخِلٌّ لِلْفَصَاحَةِ، وَيُخَطِّؤُونَ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ، وَيَنْسِبُونَهُ إِلَى اللَّحْنِ وَمُجَانَبَةِ الصَّوَابِ، بِحُجَّةِ قِلَّةِ اسْتِعْمَالِهِ، وَنُدْرَةِ شَوَاهِدِهِ، بَلْ قَدْ يَرُدُّ هَؤُلاَءِ -بِتِلْكَ الْحُجَّةِ- بَعْضَ مَا جَاءَ مَقِيسًا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْيَازِجِيِّ عَنِ"النَّوَادِي"جَمْعًا"لِلنَّادِي": «وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ الْقِيَاسَ، غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي جَمْعِهِ"الأَنْدِيَّةُ"» [2] .

فَهَذَا الْمَوْقِفُ يَضُرُّ اللَّغُةَ أَكْثَرَ مِمَّا يَخْدِمُهَا؛ لأَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلاَلِ لاَ يَقِلُّ إِسَاءَةً عَنِ تَحْلِيلِ الْحَرَامِ. [3]

-وَيَرَى الآخَرُونَ أَنَّ وَصْفَ الأَلْفَاظِ وَالتَّرَاكِيبِ بِالشُّذُوذِ، أَوِ النُّدْرَةِ، أَوِ الْقِلَّةِ، أَوِ الْمُخَالَفَةِ، لاَ يَعْنِي تَخْطِئَتَهَا، وَلاَ تَبْعِيدَهَا عَنِ الصَّوَابِ وَالْفَصَاحَةِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: «وَرُبَّمَا يَظُنُّ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَقَاصِدِ النُّحَاةِ أَنَّ قَوْلَهُمْ: شَاذٌّ، أَوْ لاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرُ فَصِيحٍ، وَقَدْ يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، فَيُشَنِّعُونَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَوْلَى بِالتَّشْنِيعِ، وَالتَّجْهِيلِ، وَالتَّقْبِيحِ؛ لأَنَّ النَّحْوِيِّينَ لَمَّا اسْتَقْرَؤُوا الْكَلاَمَ، وَجَدُوا كَلاَمَ الْعَرَبِ قِسْمَيْنِ:

قِسْمًا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ وَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ؛ لِشُهْرَتِهِ فِي الاِسْتِعْمَالِ، أَوْ لِكَثْرَةِ النَّظَائِرِ فِيهِ، فَأَعْمَلُوهُ بِإِطْلاَقٍ، عِلْمًا بِأَنَّ الْعَرَبَ كَذَلِكَ تَفْعَلُ فِي قِيَاسِيهِ.

وَقِسْمًا لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ فِيهِ وَجْهُ الْقِيَاسِ، أَوْ عَارَضَهُ مُعَارِضٌ لِقِلَّتِهِ، وَكَثْرَةِ مَا يُخَالِفُهُ، فَمَتَى قَالُوا: شَاذٌّ، أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى السَّمَاعِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَمَعْنَاهُ: أَنَّا نَتْبَعُ الْعَرَبَ فِيمَا تَكَلَّمَتْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ نَقِيسُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، لاَ لأَنَّهُ غَيْرُ فَصِيحٍ، بَلْ لأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ

(1) ينظر: حركة التصحيح اللغوي في العصر الحديث/ للدكتور محمد ضاري حمادي، ص:181 - 183.

(2) لغة الجرائد/37.

واليازجي هو: إبراهيم بن ناصيف بن عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط، ولد سنة (1263 هـ=1847 م) ، كان عالما بالأدب واللغة، قرأ الأدب على أبيه، وتولى تحرير جريدة النجاح سنة (1872 م) ، تعلم العبرية والسريانية والفرنسية، من مؤلفاته: معجم"الفرائد الحسان من قلائد اللسان"، توفي سنة (1324 هـ= 1906 م) . ينظر: الأعلام 1/ 76، 77.

(3) ينظر: نظرات في اللغة والنحو/ لطه الراوي، ص:71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت