تَقْصِدْ بِذَلِكَ الْقَلِيلِ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ، أَيْ: يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ، وَتَرَى الْمُعَارِضَ لَهُ أَقْوَى وَأَشْهَرَ وَأَكْثَرَ فِي الاِسْتِعْمَالِ» [1] .
فَمَا وَرَدَ نَادِرًا أَوْ شاذًّا فِي كَلاَمِ فَصِيحٍ لاَ تُنْفَى عَنْهُ الْفَصَاحَةُ؛ إِذِ الْفَصِيحُ مَا أَفْصَحَ عَنِ الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي الاِسْتِعْمَالِ، أَوْ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ؛ وَلِذَلِكَ «نَصُّوا عَلَى أَنَّ نُطْقَ مَنْ تُرْضَى عَرَبِيَّتُهُ، بِالشَّاذِّ الَّذِي يُخَالِفُ قِيَاسَهَمْ، لاَ يُخِلُّ بِفَصَاحَتِهِ؛ لأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَاوَلَ بِهِ مَذْهَبًا، أَوْ نَحَا نَحْوًا مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي يُتَأَوَّلُ عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ لأَنَّ الْجَادَّةَ عَلَى غَيْرِ مَا جَاءِ بِهِ، فَيَكُونُ مَا شَذَّ مِنْ مَنْطِقِهِ مَأْمُونًا عَلَيْهِ مِنْ فَسَادِ الْمُخَالَطَةِ؛ وَلِهَذَا يُلْحِقُونَهُ بِقِيَاسِ الْقَرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ» [2] .
فَالْقَوْلُ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ، وَافَقَ الْقِيَاسَ أَمْ خَالَفَهُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «وَلَوْ قَالَتِ الْعَرَبُ:"اضْرِبْ أَيٌّ أَفْضَلُ"لَقُلْتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مُتَابَعَتِهِمْ» [3] .
فَهُنَاكَ فَرْقٌ هَائِلٌ بَيْنَ مَا خَرَجَ عَنِ الْمَأْثُورِ أَوِ الأَفْصَحِ، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّ الَّذِي يَخْلِطُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، إِنَّمَا يُدَلِّلُ عَلَى تَنَاقُضٍ وَاضِحٍ أَوْ جَهْلٍ فَاضِحٍ.
وَالرَّاجِحُ فِي نَظَرِ الْبَحْثِ أَنَّ الْمُخَالِفَ لِلْقِيَاسِ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ فَصِيحٌ، وَهُوَ مَا شَذَّ عَنِ الْقِيَاسِ فَقَطْ، أَوِ الاِسْتِعْمَالِ فَحَسْبُ.
وَنَوْعٌ آخَرُ غَيْرُ فَصِيحٍ، وَهُوَ مَا شَذَّ عَنِ الْقِيَاسِ وَالاِسْتِعْمَالِ مَعًا، قَالَ الْغَلاَيِينِيُّ: «وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْكَلِمَةَ مُخَالِفَةً لِلْفَصَاحَةِ، إِذَا كَانَتْ شَاذَّةً فِي الْقِيَاسِ وَالاِسْتِعْمَالِ مَعًا، أَمَّا إِنْ شَذَّتْ فِي الْقِيَاسِ مِنْ دُونِ السَّمَاعِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِعَدَمِ فَصَاحَتِهَا، وَإِلاَّ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْكَلاَمِ غَيْرَ فَصِيحٍ» [4] .
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) نقلا عن المواهب الفتحية 1/ 43. وينظر: القياس واللغة/ لمحمد الخضر حسين، ص:31، واللغة والنحو/ لعباس حسن، ص:100،101، ودارسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر، ص:16،17.
(2) تاريخ آداب العرب 1/ 132.
(3) الكتاب 2/ 402.
(4) نظرات في اللغة والأدب، ص:38.
والغلاييني هو: مصطفى بن محمد سليم، شاعر، وكاتب، وخطيب، من أعضاء المجمع العلمي العربي، ولد في بيروت، سنة (1303 هـ-1886 م) ، وتعلم بها وبمصر، وكان من شيوخه الشيخ محمد عبده، ومن مؤلفاته"الدروس العربية"، توفي ببيروت، سنة (1364 هـ-1944 م) . ينظر: الأعلام 7/ 244، 245.