فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 1015

أَوْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَنَّ قُرَيْشًا -بَعْدَ مَرْحَلَةِ الاِخْتِيَارِ فِي الْمَوَاسِمِ- أَصْبَحَتْ أَفْصَحَ الْعَرَبِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْفَرَّاءِ: «كَانَتِ الْعَرَبُ تَحْضُرُ الْمَوْسِمَ فِي كُلِّ عَامٍ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقُرَيْشٌ يَسْمَعُونَ لُغَاتِ جَمِيعِ الْعَرَبِ، فَمَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنْ لُغَاتِهِمْ تَكَلَّمُوا بِهِ؛ فَصَارُوا أَفْصَحَ الْعَرَبِ، وَخَلَتْ لُغَتُهُمْ مِنْ مُسْتَبْشَعِ اللُّغَاتِ، وَمُسْتَقْبَحِ الأَلْفَاظِ» [1] ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ -أَيْضًا- قَوْلُ ابْنِ فَارِسٍ: «أَجْمَعَ عُلَمَاؤُنَا بِكَلاَمِ الْعَرَبِ، وَالرُّوَاةُ لأَشْعَارِهِمْ، وَالْعُلَمَاءُ بِلُغَاتِهِمْ، وَأَيَّامِهِمْ، وَمَحَالِّهِمْ، أَنَّ قُرَيْشًا أَفْصَحُ الْعَرَبِ أَلْسِنَةً، وَأَصْفَاهُمْ لُغَةً؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- اخْتَارَهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْعَرَبِ، وَاصْطَفَاهُمْ، وَاخْتَارَ مِنْهُمْ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ مُحَمَّدًا?، فَجَعَلَ قُرَيْشًا قُطَّانَ حَرَمِهِ، وَجِيرَانَ بَيْتِهِ الْحَرَامِ وَوُلاَتَهُ، فَكَانَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ حُجَّاجِهَا وَغَيْرِهِمْ يَفِدُونَ إِلَى مَكَّةَ لِلْحَجِّ، وَيَتَحَاكَمُونَ إِلَى قُرَيْشٍ فِي أُمُورِهِمْ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ مَعَ فَصَاحَتِهَا، وَحُسْنِ لُغَاتِهَا، وَرِقَّةِ أَلْسِنَتِهَا، إِذَا أَتَتْهُمُ الْوُفُودُ مِنَ الْعَرَبِ تَخَيَّرُوا مِنْ تِلْكَ اللُّغَاتِ إِلَى نَحَائِزِهِمْ [2] ، وَسَلاَئِقِهِمْ، الَّتِي طُبِعُوا عَلَيْهَا، فَصَارُوا بِذَلِكَ أَفْصَحَ الْعَرَبِ» [3] .

مُمَيَّزَاتُ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى عَنِ اللَّهَجَاتِ الأُخْرَى: إِنَّ الْعَرَبِيَّةَ الْفُصْحَى تَمْتَازُ بِصِفَاتٍ، وَخُصُوصِيَّاتٍ تُعْلِي مِنْ قَدَرِهَا، يُمْكِنُ إِيجَازُهَا فِيمَا يَلِي:

الأُولَى: أَنَّهَا اللُّغَةُ الأَدَبِيَّةُ الَّتِي يَنْظِمُ بِهَا الشُّعَرَاءُ، وَيَخْطُبُ بِهَا الْخُطَبَاءُ، فَلَمْ تَكُنْ كُلُّ الْعَرَبِ تَقْدِرُ عَلَيْهَا، بَلْ هِيَ فِي مُسْتَوًى أَرْقَى وَأَسْمَى مِنْ مُسْتَوَى الْعَامَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْخَوَاصِّ، فَلاَ يَصْطَنِعُونَهَا فِي خِطَابِهِمْ، وَإِذَا سَمِعُوا مُتَكَلِّمًا بِهَا رَفَعُوا مِنْ قَدَرِهِ. [4]

الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللُّغَةَ الْفُصْحَى لاَ تَنْتَمِي عَنَاصِرُهَا إِلَى بِيئَةٍ مَحَلِّيَةٍ بِعَيْنِهَا، فَهِيَ لُغَةٌ مُنْسَجِمَةٌ مُوَحَّدَةٌ. [5]

الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ نَظَرًا لِمَا لِهَذِهِ اللُّغَةِ الْفُصْحَى مِنْ فَضْلٍ وَصَفَاءٍ، وَانْتِشَارٍ بَيْنَ الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ، نَزَلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِهَا؛ لِيُقَوِّيَ تِلْكَ الْوَحْدَةَ الاِجْتِمَاعِيَّةَ، وَالسِّيَاسِيَّةَ، وَالثَّقَافِيَّةَ؛ وَلِيَتَحَدَّى

(1) المزهر 1/ 221.

(2) النحائز: جمع النحيزة بمعنى الطبيعة. ينظر: الصحاح، والقاموس (ن ح ز) .

(3) الصاحبي، ص: 33 - 34.

(4) ينظر: ملامح من تاريخ اللغة العربية، ص:53.

(5) ينظر: الصاحبي، ص:55، وفي اللهجات العربية/ للدكتور إبراهيم أنيس، ص:43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت