فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 1015

وَلَمَّا كَانَتْ مُعْظَمُ تِلْكَ الْمَوَاسِمِ التِّجَارِيَّةِ، وَالدِّينِيَّةِ، وَالأَدَبِيَّةِ تُقَامُ فِي دِيَارِ قُرَيْشٍ، مَكَّنَتْهَا مِنِ اصْطِفَاءِ الْخَصَائِصِ الْحَسَنَةِ مِنْ كَلاَمِ بَقِيَةِ الْقَبَائِلِ، وَضَمِّهَا إِلَى خَصَائِصِهَا، حَتَّى صَارَتْ جُزْءًا مِنْهَا؛ فَنَشَأَتْ مَا يُسَمَّى بِاللُّغَةِ الْمُشْتَرَكَةِ [1] ؛ لأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ مِلْكًا لِقُرَيْشٍ وَحْدَهَا، بَلْ أَصْبَحَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَقْبُولَةً لَدَيْهِمْ [2] ، يَتَخَاطَبُونَ بِهَا فِي الْمَوَاسِمِ، وَيَتَجَنَّبُونَ اللَّهَجَاتِ الْمَحَلِّيَّةَ؛ لِيَكْسِبُوا بِذَلِكَ إِعْجَابَ الآخَرِينَ، وَالنَّجَاةَ مِنْ سُخْرِيَتِهِمْ وَهُزْئِهِمْ. [3]

وَمِنْ أَسْمَاءِ هَذِهِ اللُّغَةِ -أَيْضًا-:"اللُّغَةُ الْفُصْحَى"؛ لأَنَّهَا أَوْضَحُ وَأَبْيَنُ مِنْ غَيْرِهَا، وَ"اللُّغَةُ النَّمُوذَجِيَّةُ"وَ"اللُّغَةُ الأَدَبِيَّةُ"؛ لأَنَّهَا اللُّغَةُ الْمِثَالِيَةُ، الَّتِي يَقْتَدِي بِهَا الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ، وَيُبَارِي بِهَا الْبُلَغَاءُ وَالشُّعَرَاءُ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللُّغَةَ الْفُصْحَى لَمْ تَكُنْ لُغَةَ قُرَيْشٍ فَحَسْبُ، مَا يَلِي [4] :

أَوَّلًا: أَنَّ اللهَ (أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرَآنَ الْكَرِيمَ {? ? ... ?} [5] ، وَلَمْ يَقُلْ: بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْفُصْحَى كُلُّهَا لَهْجَةَ قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ أَصْفَى الْعَرَبِ لِسَانًا، لأَكْرَمَ اللهُ رَسُولَهُ (بِالإِشَادَةِ بِفَصَاحَةِ لَهْجَتِهِ.

ثَانِيًا: أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ ظَوَاهِرَ لُغَوِيَّةً لاَ تَنْتَمِي إِلَى لَهْجَةِ قُرَيْشٍ.

ثَالِثًا: أَنَّ لَهْجَةَ قُرَيْشٍ لَهَا خَصَائِصُ لَمْ تَشِعْ فِي الاِسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ، مِنْهَا: تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ؛ لأَنَّ الأَشْيَعَ وَالأَشْهَرَ فِي الْفُصْحَى التَّحْقِيقُ.

وَيُخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْعَرَبِيَّةَ الْفُصْحَى لُغَةُ قُرَيْشٍ فَقَطْ مُجَرَّدُ رَأْيٍ، لاَ يُقْبَلُ إِلاَّ مِنْ بَابِ التَّسَامُحِ، فِي أَنَّ أَيَّ لُغَةٍ مُشْتَرَكَةٍ تَقُومُ دَائِمًا عَلَى أَسَاسِ لُغَةٍ مَوْجُودَةٍ، حَيْثُ تُتَّخَذُ هَذِهِ اللُّغَةُ الْمَوْجُودَةُ لُغَةً مُشْتَرَكَةً.

(1) ينظر: تاريخ آداب العرب 1/ 93، وما بعدها.

(2) ينظر: مصنفات اللحن والتثقيف اللغوي حتى القرن العاشر الهجري/ للدكتور أحمد محمد قدّور،، ص:34، 35، والأصول/ للدكتور تمام حسان، ص:78.

(3) ينظر: اللجهات العربية/ للدكتور إبراهيم أنيس، ص:40، والأخطاء الشائعة/ لماجد الصائغ، ص:12.

(4) ينظر: الأصول/ للدكتور تمام حسان، ص:78 - 80، وملامح من تاريخ اللغة العربية/ للدكتور أحمد نصيف الجنابي، ص:24.

(5) سورة الشعراء، من الآية:195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت