بِأُسْلُوبِهِ، وَمَعَانِيهِ الْفُصَحَاءَ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ كَانُوا؛ لِيَعْرِفُوا إِعْجَازَهُ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. [1]
وَبِهَذَا صَارَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ خَيْرَ نَمُوذَجٍ يُمَثِّلُ قِمَّةَ اللُّغَةِ الْفُصْحَى؛ لِذَا كَانَ الْعَرَبُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ نَظْرَةً أَسْمَى مِنْ آثَارِهِمِ الأَدَبِيَّةِ، بَلْ رَأَوْا أَنْفُسَهُمْ عَاجِزِينَ أَمَامَهُ. [2]
الرَّابِعَةُ: أَنَ اللُّغَةَ الْفُصْحَى أَصْبَحَتْ -بَعْدَ مَجِيءِ الإِسْلاَمِ- لُغَةَ الدَّوْلَةِ، وَلُغَةَ الْحَيَاةِ، بِهَا يُعْرَفُ الْعَرَبِيُّ لَدَى الأُمَمِ الأُخْرَى. [3]
ويُسْتَنْتَجُ مِمَّا تَقَدَّمَ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَنَّ كُلاًّ مِنَ اللُّغَةِ الْفُصْحَى وَاللَّهَجَاتِ الأُخْرَى تَتَّسِمُ بِالْفَصَاحَةِ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْفَصَاحَةُ أَكْثَرَ وَأَتَّمَ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى؛ لِذَا وُصِفَتْ بِـ"الْفُصْحَى"، وَوُصِفَتْ غَيْرُهَا بِـ"الْفَصِيحَةِ"؛ مِمَّا جَعَلَتْهُمَا كِلَتَيْهِمَا (الْفُصْحَى وَالْفَصِيحَةَ) حُجَّةً، كَمَا عَنْوَنَ ابْنُ جِنِّي فِي كِتَابِهِ (الْخَصَائِصُ) [4] : «اخْتِلاَفُ اللُّغَاتِ وَكُلُّهَا حُجَّةٌ» ؛ لِذَا لاَ تُرَدُّ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ اتِّبَاعُ الْفُصْحَى أَوْلَى، فَلَوِ اسْتَعْمَلَ إِنْسَانٌ لَهْجَةً مِنْ لَهَجَاتِ الْعَرِبِ، غَيْرَ الْفُصْحَى «لَمْ يَكُنْ مُخْطِئًا لِكَلاَمِ الْعَرَبِ، لَكِنَّهُ يَكُونُ مُخْطِئًا لأَجْوَدِ اللُّغَتَيْنِ، فَأَمَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فِي شِعْرٍ، أَوْ سَجَعٍ، فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ مِنْهُ، غَيْرَ مَنْعِيٍّ عَلَيْهِ» [5] ،أَيْ: إِنَّ اللُّغَةَ الْفُصْحَى أَصْبَحَتْ مِعْيَارًا لِلصَّوَابِ وَالْجَوْدَةِ، وَالْخَطَأِ النِّسْبِيِّ. [6]
ثَانِيًا: أَنَّ الأَفْصَحَ أَوِ الْفُصْحَى قَدْ تَكُونُ غَيْرَ لَهْجَةِ قُرَيْشٍ، مِنْ ذَلِكَ تَحْقِيقُ الْهَمْزَةِ عِنْدَ تَمِيمٍ.
ثَالِثًا: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الطَّعْنُ فِي فَصَاحَةِ بَقِيَةِ اللَّهَجَاتِ غَيْرِ الْفُصْحَى، وَلَوْ كَانَتْ خَارِجَةً عَنِ الْقَوَاعِدِ اللُّغَوِيَّةِ؛ لأَنَّ تِلْكَ اللَّهَجَاتِ قَدْ سَبَقَتْ وُجُودَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ؛ مِمَّا يُبَرِّئُ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَقِرَاءَاتِهِ، أَوِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ وَرِوَايَاتِهِ، أَوْ كَلاَمِ الْعَرِبِ نَثْرًا وَنَظْمًا ضِمْنَ عُصُورِ الاِحْتِجَاجِ. [7]
(1) ينظر: مصنفات اللحن والتثقيف اللغوي، ص:36.
(2) ينظر: المرجع السابق، ص:54.
(3) ينظر: الأصول/ للدكتور تمام حسان، ص:110، وفي اللهجات العربية/ للدكتور إبراهيم أنيس، ص:41.
(5) الخصائص 2/ 12.
(6) ينظر: اللغة بين التطور وفكرة الصواب والخطأ/ للدكتور كمال محمد بشر، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، سنة 1408 هـ=1988 م، المجلد 62، ص:140.
(7) الحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص:61.