فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 1015

وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: «وَقَدْ جَاءَ عَلَى"فُعْلاَنٍ"، نَحْوُ:"الشُّكْرَانِ وَالْغُفْرَانِ، وَقَالُوا:"الشُّكُورُ"، كَمَا قَالُوا:"الْجُحُودُ"، فَإِنَّمَا هَذَا الأَقَلُّ نَوَادِرُ، تُحْفَظُ عَنِ الْعَرَبِ، وَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّ الأَكْثَرَ يُقَاسُ عَلَيْهِ» [1] ."

فَالْبَصْرِيُّونَ «بَعْدَ أَنِ اسْتَقْرَؤُوا مَا وَرَدَ لَهُمْ مِنْ نُصُوصِ اللُّغَةِ اتَّخَذُوا مِمَّا كَثُرَ شُيُوعُهُ، وَزَادَتْ نِسْبَةُ وُرُودِهِ مِقْيَاسًا، يُؤَسِّسُونَ عَلَيْهِ الْقَاعِدَةَ، وَيَسْتَنْبِطُونَ مِنْهُ الصَّحِيحَ الْمَقْبُولَ» [2] .

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ أُصُولَهُمْ مَبْنِيَّةٌ «عَلَى مَصَادِرَ مُحَدَّدَةٍ ثَابِتَةٍ، خَضَعَتْ بِالضَّرُورَةِ إِلَى ظَاهِرَتَيْنِ مُتَبَايِنَتَيْنِ"لُغَوِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ":

أَمَّا اللُّغَوِيَّةُ فَقَدْ خَضَعَتْ لِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الشُّرُوطِ الصَّارِمَةِ، كَالنَّقْلِ عَنِ الْعَرَبِ الْخُلَّصِ، الْمَقْطُوعِ بِعَرَاقَتِهِمْ فِي الْعُرُوبَةِ، مِنْ سُكَّانِ الْبَوَادِي، وَالتَّحَرِّي وَالتَّنْقِيبِ عَنِ الشَّوَاهِدِ السَّلِيمَةِ ....

أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَقَدْ خَضَعَتْ لِلدِّرَاسَةِ الْعَقْلِيَّةِ الرَّزِينَةِ، بَعِيدَةً عَنِ الأَهْوَاءِ وَالنَّزَعَاتِ، تَخْضَعُ لِلشَّوَاهِدِ الْمَوْثُوقِ بِصِحَّتِهَا، كَثِيرَةِ النَّظَائِرِ، وَلَهَا قِيَاسَاتٌ سَلِيمَةٌ، تَقُومُ عَلَى مَعَايِيرَ وَحَقَائِقَ مَنْطِقِيَّةٍ» [3] .

فَمِنْ مَصَادِرِهِمْ: مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَقِرَاءَاتِهِ [4] ؛ لِكَوْنِهِ أَوْثَقَ وَأَفْصَحَ كَلاَمٍ عَرَبِيٍّ، وَعَلَى مَا أَخَذُوهُ عَنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَسُكَّانِ أَوَاسِطِ بِلاَدِ الْعَرَبِ؛ لِكَوْنِهِمْ أَبْعَدَ تَأَثُّرًا بِالأُمُمِ الأُخْرَى غَيْرِ الْعَرِبِ [5] .

(1) الكتاب 4/ 8.

(2) ظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:116.

(3) السابق، ص:89.

(4) أخذ بعض الباحثين على البصريين بأنهم يرفضون القراءات المخالفة لأقيستهم، أو يصفونها بالشذوذ، وهذا خلاف الواقع، ففي كتاب سيبويه كثير من القراءات المخالفة لأقيسة البصريين، ولم توصف بالشذوذ إلا عند البصريين المتأخرين في شواهد محدودة لا تمثل ظاهرة.

يضاف إلى ذلك أن معظم البصريين المتقدمين كانوا من القراء، فكيف يعقل أنهم امتعوا عن الاستشهاد بالقراءات، أو يضعفونها، مع علمهم أن القراءة سنة متبعة لا تحمل على الأقيسة اللغوية. ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العري، ص:98 - 105، باختصار.

وينظر عن هذه المسألة: المدارس النحوية/ للدكتور شوقي ضيف، ص:19، وسيبويه والقراءات/ للدكتور أحمد مكي الأنصاري، ص:52.

(5) ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:89، 93، 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت