وَلَكِنْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَؤُلاَءِ أَنَّهُمْ لَمْ يُوَضِّحُوا مَسْأَلَةَ الْكَثْرَةِ [1] : أَهِيَ الْكَثْرَةُ الْعَدَدِيَّةُ بَيْنِ أَفْرَادِ الْقَبِيلَةِ الْوَاحِدَةِ، أَمْ بَيْنَ الْقَبَائِلِ؟ أَهِيَ الْقَبَائِلُ السِّتُّ الَّتِي أُخِذَتْ عَنْهَا اللُّغَةُ، أَمْ تَتَجَاوَزُهَا إِلَى غَيْرِهَا؟؛ مِمَّا سَبَّبَ خِلاَفًا وَاسِعًا، وَإِرْبَاكًا لاَسِعًا فِي الْقِيَاسِ النَّحْوِيِّ.
وَيُلْحَظُ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ لِمَنْهَجِ الْبَصْرِيِّينَ إِيجَابِيَّاتٍ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَثَالِبَ، لَخَّصَهَا الدُّكْتُورْ فَتْحِي عَبْدُ الْفَتَّاحِ الدَّجَنِيُّ فِي قَوْلِهِ: «أَمَّا رَأْيُنَا فِي مَنْهَجِ الْبَصْرِيِّينَ، فَهُوَ مَنْهَجٌ سَلِيمٌ فِي أُصُولِهِ وَبِنَائِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا لاَ يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ بِهِ بَعْضُ الْهَفَوَاتِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَبِيعَةِ الْعَمَلِ، أَلاَّ يَكُونَ كَامِلًا؛ لأَنَّ الْكَمَالَ للهِ وَحْدَهُ، وَهَذِهِ الْهَفَوَاتُ -فِي رَأْيِي- هِيَ:
-تَحْدِيدُهُمُ الْقَبَائِلَ الْعَرَبِيَّةَ الَّتِي نَقَلُوا عَنْهَا، حَيْثُ لاَ يَخْلُو أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ قَبَائِلُ فَصِيحَةٌ غَيْرُ الْقَبَائِلِ الْمُحَدَّدَةِ، وَبِخَاصَّةٍ قُرَيْشٌ.
-ثُمَّ تَخْطِئَةُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ لِبَعْضِ الْقِرَاءَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ.
-وَأَنَّ الْقَوَاعِدَ الَّتِي اسْتَقْصَوْهَا جَاءَتْ نَتِيجَةَ اسْتِقْرَاءٍ نَاقِصٍ، فَطَرَدُوهَا فِي الْبَابِ كُلِّهِ ... » [2] .
هَذَا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا دَارَتْ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَثَالِبِ مِنْ مُنَاقَشَاتٍ، وَأَخْذٍ وَرَدٍّ، يُمْكِنُ مُرَاجِعَتُهَا فِي كُتُبِ نَشْأَةِ النَّحْوِ مَثَلًا.
وَيَرَى الْكُوفِيُّونَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ الْكَثْرَةُ، فَقَدْ يُقَاسُ -عِنْدَ هَؤُلاَءِ- عَلَى الْقَلِيلِ، إِذَا لَمْ يَرِدْ مَا يُخَالِفُهُ أَوْ يَنْقُضُهُ [3] ، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي"رَكُوبَةٍ":"رَكَبِيٌّ"، وَفِي"حَلُوبَةٍ":"حَلَبِيٌّ"، قياسًا عَلَى قَوْلِ الْعَرِبِ فِي النَّسَبِ إِلَى"أَزْدِ شَنُوءَةَ":"شَنَئِيٌّ"؛ وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ جَمِيعُ مَا وَرَدَ عَنِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَرِدْ عَنْهُمْ شَاهِدٌ غَيْرُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْهُمْ مَا يُخَالِفُهُ [4] ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الأَخْفَشُ [5] : «فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا جَاءَ هَذَا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ -يَعْنِي أَزْدَ شَنُوءَةَ- قَالَ: فَإِنَّهُ
(1) ينظر: اللغة والنحو/ لعباس حسن، ص:40، وظاهرة قياس الحمل، ص:634، 635.
(2) ظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:121، 122.
(3) ينظر: القياس في اللغة العربية/ محمد الخضر حسين، ص:48 - 49، والمذاهب النحوية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة، ص:184.
(4) ينظر: الخصائص 1/ 115، والاقتراح، ص:100، والقياس في اللغة العربية/ محمد الخضر حسين، ص:39، وفي أصول النحو، سعيد الأفغاني، ص:109، وظاهرة قياس الحمل، ص:111.
(5) أبو الحسن الأخفش هو: سعيد بن مسعدة، مولى بني مجاشع بن دارم بن تميم، من أهل"بلخ"، سكن البصرة، عرف بالأخفش الأوسط، وإذا أطلق لقب"الأخفش"فهو المراد، قرأ النحو على سيبويه، وكان أسنّ منه، وأخذ عنه المازني والجرمي والكسائي وغيرهم، وهو الذي أضاف إلى بحور الخليل بحر المتدارك، وله كتب منها: كتاب"معاني القرآن"، وكتاب"القوافي"، توفي سنة (215 هـ) ، وقيل: غيرها. ينظر: إشارة التعيين، ص:131، 132، وبغية الوعاة 1/ 590.