وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الثَّانِي لاَ يَصِحُّ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى هَذِهِ الظَّاهِرَةِ بِالشُّذُوذِ؛ لأَنَّ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَإِ وَالإِبْدَالَ لاَ يَخْتَصُّ بِهِمَا أَحَدٌ، وَأَنَّهُ «إِذَا احْتَمَلَ الشَّيْءُ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَصِيحِ كَلاَمِ الْعَرَبِ؛ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَلَّ» [1] .
ثَالِثًا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ الْقُدَمَاءِ وَالْمُحْدَثِينَ وَصَفَوا هَذِهِ اللُّغَةَ (لُغَةَ أَكَلُونِي الْبَراغِيثُ) بِالضَّعْفِ، وَعَدَمِ الْفَصَاحَةِ:
-فَهَا هُوَ ذَا الأَنْبَارِيُّ يَذْكُرُ مِنْ أَوْجِهِ إِعْرَابِ"كَثِيرٌ"فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } «أَنَّهُ مَرْفُوعٌ؛ لأَنَّهُ فَاعِلُ {عَمُوا وَصَمُّوا} ، وَتُجْعَلُ الْوَاوُ لِلْجَمْعِيَّةِ، لاَ لِلْفَاعِلِ عَلَى لُغَةِ مَنَ قَالَ:"أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ"، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لأَنَّهَا لُغَةٌ غَيْرُ فَصِيحَةٍ» [2] .
-وَقَالَ الْحَرِيرِيُّ فِي (دُرَّةِ الْغَوَّاصِ) [3] : إِنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ «لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا الْقُرْآنُ، وَلاَ أَخْبَارُ الرَّسُولِ (، وَلاَ نُقِلَ -أَيْضًا- عَنِ الْفُصَحَاءِ» .
-وَهَا هُوَ ذَا سَعِيدٌ الأَفْغَانِيُّ يَنْفِي وُجُودَ شَاهِدٍ لِهَذِهِ اللُّغَةِ [4] ، وَيَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ النُّحَاةُ لِهَذِهِ اللُّغَةِ مُخْتَصَرٌ مِنْ مُطَوَّلٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ: «إِنَّ للهِ مَلاَئِكَةً يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ» ، وَلاَ شَاهِدَ فِيهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يُنْسَبُ -قَبْلَ الأَفْغَانِيِّ- لِلْمُرَادِيِّ، وَالسُّهَيْلِيِّ، وَنَقَلَهُ أَبُو حَيَّانٍ، وَابْنُ حَجَرٍ، والأُشْمُونِيُّ، وَالصَّبَّانُ. [5]
وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ مِنْ جَهَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرٌ [6] ، وَدُونَ ذَلِكَ مِنْ جَهَةِ أَنْ لاَ شَاهِدَ لِهَذِهِ اللُّغَةِ إِلاَّ هَذَا الْحَدِيثُ الْمُخْتَصَرُ؛ لِوُجُودِ شَوَاهِدَ أُخْرَى غَيْرُهُ.
(1) ينظر: البسيط/ لابن أبي الربيع 1/ 269.
(2) البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 302. وينظر: الظواهر اللغوية في صحيح الإمام مسلم، ص:480.
(3) ص:145. وينظر: تصحيح التصحيف وتحرير التحريف، ص:411.
والحريري هو: أبو محمد، القاسم بن علي بن محمد، الحرامي، البصري، صاحب"المقامات"، و"ملحة الإعراب"، ولد سنة ست وأربعين وأربع مئة (446 هـ) ، ثم أخذ النحو والأدب عن علي بن فضال المجاشعي، توفي سنة ست عشرة وخمس مئة (516 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 3/ 23 - 27، وإشارة التعيين، ص:263 - 265، وبغية الوعاة 2/ 257 - 259.
(4) ينظر: في أصول النحو، ص:69، والظواهر اللغوية في صحيح الإمام مسلم، ص:481.
(5) ينظر: فتح الباري 2/ 42، وشرح الأشموني مع حاشية الصبان 2/ 48، وشرح الألفية/ للمكناسي 1/ 382.
(6) ينظر: فتح الباري 2/ 42، وفيه: «وقد سومح في العزو إلى مسند البزار مع أن هذا الحديث بهذا اللفظ في الصحيحين؛ فالعزو إليهما أولى» .