وَفِي مُقَابِلِ هَؤُلاَءِ يُوجَدُ مِنَ الْقُدَمَاءِ كَالثَّعَالِبِيِّ [1] ، وَمِنَ الْمُحْدَثِينَ كَالدُّكُتُورْ حَسَنِ عَوْنٍ [2] ، مَنْ يَتَعَصَّبُونَ لِهَذِهِ اللُّغَةِ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهَا الأَصْلُ؛ لأَنَّ الْمَعْقُولَ -فِي نَظَرِهِمْ- أَنْ يُفْرَدَ الْفِعْلُ مَعَ الْفَاعِلِ الْمُفْرَدِ، وَيُثَنَّى مَعَ الْمُثَنَّى، وَيُجْمَعُ مَعَ الْمَجْمُوعِ، وَهَذَا الْمَعْقُولُ -فِي نَظَرِ هَؤُلاَءِ- أَسْبَقُ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، الَّتِي تُوجِبُ إِفْرَادَ الْفِعْلِ أَيًّا كَانَ الْفَاعِلُ.
وَيُرَدُّ عَلَى هَؤُلاَءِ بِأَنَّ اللُّغَةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْعَقْلِ، وَإِلاَّ لَهُدِمَ كَثِيرٌ مِنَ الْقَوَاعِدِ.
وَالرَّاجِحُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّ لُغَةَ"أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ"شَاذَّةٌ وَمُخَالِفَةٌ لِمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ كَلاَمِ الْعَرَبِ، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَلاَ يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالضَّعْفِ، بَلْ تُحْفَظُ بِكُلِّ احْتِرَامٍ؛ لأَنَّهَا لُغَةٌ فَصِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لُغَةُ جُمْهُورِ الْعَرَبِ أَفْصَحَ وَأَكْثَرَ [3] ، قَالَ أَبُو حَيَّانٍ: «وَهَذِهِ اللُّغَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ ضَعِيفَةٌ، وَكَثْرَةُ وُرُودِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ ضَعِيفَةً» [4] .
رَابِعًا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [5] وُجِّهَ عَلَى لُغَةِ"يَتَعَاقَبُونَ"، وَلَهُ أَوْجُهٌ إِعْرَابِيَّةٌ أُخْرَى، مِنْهَا [6] :
-أَنَّ (الَّذِينَ) بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ فِي (أَسَرُّوا) .
-أَوْ أَنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ: إِِمَّا (أَسَرُّوا) ، أَوْ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ عَامِلٌ فِي جُمْلَةِ الاِسْتِفْهَامِ، أَيْ: يَقُولُونَ: هَلْ هَذَا؟.
-أَوْ أَنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ، أَيْ: هُمُ الَّذِينَ.
-أَوْ فَاعِلًا بِـ (أَسَرُّوا) وَالْوَاوُ عَلاَمَةٌ، أَوْ بِـ (يَقُولُ) مَحْذُوفًا.
-أَوْ بَدَلًا مِنْ وَاوِ {?} [7] .
-وَأَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ مَفْعُولِ {?} [8] ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ"أَذُمُّ، أَوْ أَعْنِي".
(1) ينظر: فقه اللغة، ص:328، 329. والثعالبي هو: أبو منصور، عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، النيسابوري، الشاعر، مصنف كتاب"يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر"، وكتاب"فقه اللغة"، وكتاب"سحر البلاغة"، توفي سنة ثلاثين وأربع مئة (430 هـ) ، وقيل: سنة تسع وعشرن وأربع مئة (429 هـ) ، وله نحو ثمانين سنة. ينظر: سير أعلام النبلاء 17/ 437، 438، والوفيات/ للقسنطي، رقم (429) 1/ 237.
(2) ينظر كتابه: اللغة والنحو، ص:59، 61.
(3) ينظر: التعليق على الموطأ 1/ 11.
(4) الارتشاف 2/ 739.
(5) سورة الأنبياء، من الآية: 3.
(6) ينظر: الكتاب 2/ 41، ومجاز القرآن 2/ 34، ومعاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 3/ 383، 384، والكشاف 3/ 102، والبحر المحيط 7/ 408، 409، وتفسير القرطبي 11/ 268 - 269, وفتح الباري 2/ 42.
(7) سورة الأنبياء، من الآية:2.
(8) سورة الأنبياء، من الآية:2.