فهرس الكتاب

الصفحة 785 من 1015

-فَاللُّغَةُ الْفُصْحَى فَكُّ الإِدْغَامِ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَرَبِ الْحِجَازِ وَتَمِيمٍ [1] ، فَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ:"هَشِشْنَا وَهَشِشْتُ، وَهَزَزْنَا وَهَزَزْتُ"، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْفَكُّ لِلُزُومِ سُكُونِ الثَّانِي؛ وَلأَنَّ مَا قَبْلَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْبَارِزِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ سَاكِنًا.

-نَاسٌ مِنْ بَكْرٍ بْنِ وَائِلٍ يُدْغِمُونَ، فَيَقُولُونَ:"هَشَّنَا، وَهَزَّتُ".

هَذِهِ اللُّغَةُ الأَخِيرَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْمَشْهُورِ مِنْ كَلاَمِ الْعَرَبِ، وَقَدْ وُصِفَتْ بِأَوْصَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ: ذَكَرَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ أَنَّهَا لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ [2] ، وَوَصَفَهَا السِّيرَافِيُّ بِأَنَّهَا"لُغَةٌ رَدِيئَةٌ فَاشِيَةٌ فِي عَوَامِّ أَهْلِ بَغْدَادَ"، وَوَصَفَهَا الرَّضِيُّ بِأَنَّهَا شَاذَّةٌ قَلِيلَةٌ [3] ، وَقَالَ عَنْهَا ابْنُ مَالِكٍ: إِنَّهَا لُغَيَّةٌ [4] ، وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: «وَفِي حَدِيثِ أُحُدٍ (حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ) ، أَيْ: يَعْدُونَ، هَكَذَا جَاءَتِ اللَّفْظَةُ فِي (كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) [5] ، وَالَّذِي جَاءَ فِي (كِتَابِ الْبُخَارِيِّ) : (يَشْتَدَّنَ) هَكَذَا جَاءَ بِدَالٍ وَاحِدَةٍ، وَالَّذِي جَاءَ فِي غَيْرِهِمَا (يُسْنِدْنَ) -بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ- أَيْ: يَصْعَدْنَ فِيهِ، فَإِنْ صَحَّتِ الْكَلِمَةُ عَلَى مَا فِي (الْبُخَارِيِّ) -وَكَثِيرًا مَا يَجِيءُ أَمْثَالُهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ- وَهُوَ قَبِيحٌ فيِ الْعَرَبِيَّةِ؛ لأَنَّ الإِدْغَامَ إِنَّمَا جَازَ فِي الْحَرْفِ الْمُضَعَّفِ لَمَّا سَكَنَ الأَوَّلُ، وَتَحَرَّكَ الثَّانِي، فَأَمَّا مَعَ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ فَإِنَّ التَّضْعِيفَ يَظْهَرُ؛ لأَنَّ مَا قَبْلَ نُونِ النِّسَاءِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ سَاكِنًا، فَيَلْتَقِي سَاكِنَانِ، فَيُحَرَّكُ الأَوَّلُ، وَيَنْفَكُّ الإِدْغَامُ، فَتَقُولُ:"يَشْتَدِدْنَ"، فَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى لُغَةِ بَعْضِ الْعَرَبِ مِنْ بَكْرٍ بْنِ وَائِلٍ، يَقُولُونَ:"رَدَّتُ، وَرَدَّتَ، وَرَدَّنَ"، يُرِيدُونَ"رَدَدْتُ، وَرَدَدْتَ، وَرَدَدْنَ"، قَالَ الْخَلِيلُ: كَأَنَّهُمْ قَدَّرُوا الإِدْغَامَ قَبْلَ دُخُولِ التَّاءِ وَالنُّونِ، فَيَكُونُ لَفْظُ الْحَدِيثِ (يَشْتَدَّنَ) » [6] .

وَأَمَّا الشُّرَّاحُ فَقَدْ وَصَفُوا هَذِهِ اللُّغَةَ الأَخِيرَةَ بِأَنَّهَا لُغَةٌ صَحِيحَةٌ. [7]

وَيُرَجِّحُ الْبَحْثُ قَوْلَ الشُّرَّاحِ؛ لِوُرُودِ هَذِهِ اللُّغَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:

(1) ينظر: التميميون ومكانتهم في العربية، للدكتور الجندي، مقالة في مجلة مجمع اللغة العربية، المجلد 25، ص:159، وما بعدها.

(2) ينظر: شرح الأشموني 4/ 351.

(3) ينظر: شرح الشافية 3/ 245.

(4) ينظر: شرح الأشموني 4/ 351.

(5) الحميدي هو: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله، صاحب المسند، وممن حدث عنهم: الفضيل بن عياض، وابن عيينة، ووكيع والشافعي، وممن حدَّث عنه: الإمام البخاري. توفي سنة تسع عشرة ومئتين من الهجرة (219 هـ) . ينظر: التاريخ الكبير، رقم (276) 5/ 96، وسير أعلام النبلاء 10/ 616.

(6) النهاية (ش د د) . وينظر: اللهجات العربية في التراث 1/ 312.

(7) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 9/ 228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت