-فَمِنَ الْكِتَابِ قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ [1] {أَفَعَيِّنَا} [2] -بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ- مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {? ? ?} ، وَقَدْ نَسَبَ أَبُو حَيَّانٍ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ إِلَى لُغَةِ بَعْضِ بَكْرٍ بْنِ وَائِلٍ.
-وَمِنَ السُّنَّةِ الأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ، وَلاَ شَكَّ فِي صِحَّتِهَا؛ لِوُرُودِهَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) .
وَمِمَّا يُرَجِّحُ صِحَّةَ هَذِهِ اللُّغَةِ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّ مُخَالَفَةَ الْمَشْهُورِ لاَ يُنَافِي الصِّحَّةَ وَالْفَصَاحَةَ، إِذَا كَانَتْ مِنْ فَصِيحٍ أَمِينٍ.
وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ: إِنَّ رِوَايَةَ الْفَكِّ فِي (هَشِشْنَا، وَهَزَزْتُ) وَنَحْوِهِمَا، هِيَ الأَفْصَحُ وَالأَشْهَرُ وَالأَكْثَرُ، وَرِوَايَةُ الإِدْغَامِ فِي (هَشَّنَا، وَهَزَّتُ) وَنَحْوِهِمَا صَحِيحَةٌ عَلَى لُغَةِ بَعْضِ الْعَرَبِ؛ لِذَا لاَ عَيْبَ فِي نُطْقِ الرُّوَاةِ بِهَا.
وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّ السُّنَّةَ تَعْكِسُ كَثِيرًا مِنْ جَوَانِبِ اللَّهَجَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ؛ لأَنَّ الرُّوَاةَ الَّذِينَ رَوَوْهَا كَثِيرًا مَا يَرْوُونَ الأَحَادِيثَ الشَّرِيفَةَ، فَتَظْهَرُ فِيهَا آثَارُ لَهَجَاتِهِمْ، كَمَا فِي الآثَارِ السَّابِقَةِ. [3]
ثَالِثًا: أَنَّهُ حُكِيَ الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ فِي الْمُضَاعَفِ الْمَضْمُومِ الْفَاءُ، الْمُتَّصِلِ بِهَاءِ الْغَائِبِ، نَحْوُ"رُدَِّهُِ"، وَالإِتْبَاعُ لِحَرَكَةِ الْهَاءِ، نَحْوُ"رُدُّهُ"بِالضَّمِّ.
وحُكِيَ الضَمُّ، وَالْكَسْرُ، وَالْفَتْحُ فِي الْمُضَاعَفِ الْمَضْمُومِ الْفَاءُ، الْمُتَّصِلِ بِهَاءِ الْغَائِبِةِ، نَحْوُ"رُدَُِّهَا".
هَذَا، وَقَدْ غُلِّطَ الإِمَامُ ثَعْلَبٌ لَمَّا ذَكَرَ فِي (فَصِيحِهِ) [4] أَنَّ هَاءَ الْغَائِبِ الْمُتَّصِلَةَ بِالْمُضَاعَفِ، يَجُوزُ فِيهَا ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: الضَّمُّ، وَالْكَسْرُ، وَالْفَتْحُ، نَحْوُ"رُدَّهَُِ".
وَوَجْهُ تَغْلِيطِهِ أَنَّهُ جَوَّزَ الْفَتْحَ، مِنْ دُونِ التَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِهِ؛ مِمَّا أَوْهَمَ فَصَاحَتَهُ. [5]
وَفِي هَذَا يَقُولُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: «فَأَمَّا"رُدَّهَا"وَنَظَائِرَهَا مِنَ الْمُؤَنَّثِ، فَفَتْحَةُ الْهَاءِ لاَزِمَةٌ بِالاِتِّفَاقِ.
(1) ابن أبي عبلة هو: أبو إسماعيل، إبراهيم بن أبي عبلة، المقدسي، ثقة تابعي كبير، له حروف في القراءات، واختيار خالف فيه العامة، أخذ القراءة عن أم الدرداء الصغرى، وواثلة ابن الأسقع، وأخذ عنه الحروف موسى بن طارق، وابن أخيه هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة، توفي سنة (152 هـ) ، وقيل: (151 هـ) . ينظر: تاريخ مدينة دمشق 6/ 439، وغاية النهاية 1/ 19.
(2) سورة ق، من الآية: 15.
وتنسب هذه القراءة -أيضا- لـ: الوليد بن مسلم، والقورصبي عن أبي جعفر، والسمسار عن شيبة، وأبي بحر عن نافع. ينظر: مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع/ لابن خالويه، ص:144، والبحر المحيط 9/ 533.
(3) ينظر: اللهجات في التراث 1/ 312.
(4) ينظر: فصيح ثعلب/ بتعليق خفاجي، ص:11.
(5) ينظر: الظواهر اللغوية في صحيح الإمام مسلم، ص:148.