وَادِعٌ"فِي مَعْنَى:"تَرَكْتُهُ فَأَنَا تَارِكٌ"، وَلَكِنْ يَقُولُونَ فِي الْغَابِرِ:"يَدَعُ"، وَفِي الأَمْرِ:"دَعْهُ"، وَفِي النَّهْيِ:"لاَ تَدَعْهُ"» [1] ."
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي (الْمُحْكَمِ) [2] : «وَوَدَعَهُ، يَدَعُهُ: تَرَكَهُ، وَهِيَ شَاذَّةٌ، وَكَلاَمُ الْعَرَبِ: دَعْنِي، وَذَرْنِي، وَيَدَعُ، وَيَذَرُ، وَلاَ يَقُولُونَ: وَدَعْتُكَ، وَلاَ وَذَرْتُكَ،؛ اسْتَغْنَوْا عَنْهَا بِـ"تَرَكْتُكَ"، وَالْمَصْدَرِ فِيهِمَا"تَرْكًا"، وَلاَ يُقَالُ: وَدْعًا، وَلاَ وَذْرًا، وَحَكَاهُمَا بَعْضُهُمْ ... » .
ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «قَوْلُهُ: (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمِ الْجُمَعَاتِ) ، أَيْ: تَرْكِهِمْ، قَالَ شَمِرٌ: زَعَمَتِ النَّحْوِيَّةُ أَنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَصْدَرَهُ وَمَاضِيَهُ، وَالنَّبِيُّ (أَفْصَحُ. قُلْتُ: وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: {مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} مُخَفَّفًا، أَيْ: مَا تَرَكَكَ، وَالأَكْثَرُ فِي الْكَلاَمِ مَا ذَكَرَهُ شَمِرٌ عَنِ النَّحْوِيِّينَ» [3] .
وَذَهَبَ السُّيُوطِيُّ إِلَى أَنًَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنَ اسْتِعْمَالاَتِ الرُّوَاةِ الْمُوَلَّدِينَ، فَقَالَ: « (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمَعَاتِ) ، أَيْ: تَرْكِهِمْ، وَهُوَ مِمَّا أُمِيتَ هُوَ وَمَاضِيهِ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْهُ إِلاَّ الْمُضَارِعُ وَالأَمْرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ هُنَا مِنَ الرُّوَاةِ الْمُوَلَّدِينَ، الَّذِينَ لاَ يُحْسِنُونَ الْعَرَبِيَّةَ» [4] .
خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِِ، فَذَهَبَ إِلَى أَنَّ تَرْكَهُمُ الْمَاضِيَ وَاسْمَ الْفَاعِلِ مِنْ"يَذَرُ، وَيَدُعُ"، وَاقْتِصَارَهُمْ عَلَى"تَرَكَ وَتَارِكٍ"لاَ يَعْنِي أَنَّ"تَرَكَ"أَفْصَحُ مِنْ"وَدَعَ، وَوَذَرَ"، وَإِنَّمَا الْفَصِيحُ -فِي نَظَرِهِ- مَا أَفْصَحَ عَنِ الْمَعْنَى، وَاسْتَقَامَ لَفْظُهُ عَلَى الْقِيَاسِ [5] ، وَجَعَلَ سَبَبَ تَرْكِ الْمَتْرُوكِ ثِقَلَ لَفْظِهِ، فَقَالَ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ:"ذَرْ ذَا، وَدَعْهُ"، وَلاَ تَقُلْ:"وَذَرْتُهُ"، وَلاَ:"وَدَعْتُهُ"؛ فَلَيْسَ هَذَا -أَيْضًا- مِنْ بَابِ الْمَصَادِرِ، وَلاَ الصِّفَاتِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ مَا قَدْ أُهْمِلَ اسْتِعْمَالُ مَاضِيهِ، وَاسْمِ فَاعِلِهِ، وَمَصْدَرِهِ، وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ، مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ فِيهِ ثِقَلُ لَفْظِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَاضِيَ مِنْ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ:"وَذَرْتُهُ، وَوَدَعْتُهُ"، وَاسْمُ فَاعِلِهِمَا"وَاذِرٌ، وَوَادِعٌ"، فَفِي أَوَّلِهِمَا وَاوٌ، وَهُوَ حَرْفٌ مُسْتَثْقَلٌ، وَاسْتُعْمِلَ فِي مَوْضِعِ ذَلِكَ"تَرَكَ وَتَارِكٌ"؛ لأَنَّهُمَا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ فِي أَوَّلِهِ حَرْفٌ مُسْتَثْقَلٌ وَلَمْ يُسْتَعْمَلِ الْمَصْدَرُ مِنْ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ -أَيْضًا-، وَاسْتُعْمِلَ فِي مَوْضِعِهِ التَّرْكُ؛ لأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُمَا، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْهُمَا وَأَمَّا الْمُسْتَقْبَلُ مِنْ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ فَإِنَّمَا اسْتُعْمِلاَ؛ لأَنَّ الْوَاوَ تَسْقُطُ مِنْهُمَا؛ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ؛ فَيَخِفَّانِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"يَذَرُ، وَيَدَعُ"... » [6] .
(1) تهذيب اللغة (و د ع) 3/ 136.
(2) (و د ع) 2/ 238.
(3) المفهم 2/ 521. وينظر: مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:1325.
(4) شرح سنن النسائي للسيوطي 3/ 88.
(5) ينظر: تصحيح الفصيح، ص: 36.
(6) تصحيح الفصيح، ص: 260.