نَفْسِهِ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَوِ امْتَنَعَ لامْتَنَعَ فِي الْمَحْضَةِ -أَيْضًا- وَقَدْ قِيلَ فِيهَا:"وَاحِدُ أُمِّهِ"، وَ"عَبْدُ بَطْنِهِ"، وَ"صَدْرُ بَلَدِهِ"، وَ"طَبِيبُ مِصْرِهِ"، وَنَحْوِ ذَلِكَ» [1] .
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي النَّثْرِ وَالشِّعْرِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّخْفِيفِ بِحَذْفِ التَّنْوِينِ [2] .
رَجَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ؛ لِوُرُودِ شَوَاهِدَ لَهُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ. [3]
وَوَصَفَ ابْنُ مَالِكٍ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ بِالْقِلَّةِ، وَأَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، خِلاَفَ مَا ذََهَبَ إِلَيْهِ الْبَصْرِيُّونَ. [4]
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ يُخَالِفُهُ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ؛ لأَنَّ فِيهِ إِضَافَةَ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ"أَعْوَرُ"إِلَى مَعْمُولِهَا الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِ الْمَوْصُوفِ"عَيْنِهِ"، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ -عِنْدَهُمْ- فِي النَّثْرِ مُطْلَقًا، وَجَائِزٌ لِضَرُورَةٍ عَلَى قُبْحٍ.
فِي حِينَ أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ؛ لأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ ذَلِكَ فِي النَّثْرِ وَالشِّعْرِ.
أَمَّا الشُّرَّاحُ فَقَدْ نَظَرُوا إِلَى هَذَا الْحَديِثِ مِنْ نَاحِيَةِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ، أَوْ إِضَافَةِ الصَّفَةِ إِلَى مَوْصُوفِهَا -عَلَى التَّحْقِيقِ- لأَنَّ"أَعْوَرَ"هِيَ الصِّفَةُ، وَهِيَ الْمُضَافُ، وَ"عَيْنُ"هِيَ الْمَوْصُوفُ، وَهِيَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ.
وَمِثْلُ هَذِهِ الإِضَافَةُ يُجِيزُهَا الْكُوفِيُّونَ، وَيَمْنَعُهَا الْبَصْرِيُّونَ، وَمَا جَاءَ مِنْهَا أَوَّلُوهُ، وَفِي هَذَا يَقُولُ الدَّمَامِينِيُّ: « (أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى) اعْلَمْ أَنَّ الزَّجَّاجَ وَمُتَأَخِّرِي الْمَغَارِبَةِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ يُتْبَعُ مَعْمُولُ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِصِفَةٍ، مُسْتَنِدِينَ فِيهِ إِلَى عَدَمِ السَّمَاعِ مِنَ الْعَرَبِ، فَلاَ يُقَالُ:"زَيْدٌ حَسْنُ الْوَجْهِ الْمُشْرِقِ"بِجَرِّ"الْمُشْرِقِ"، عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْوَجْهِ، وَعَلَّلَ بَعْضُهُمُ الْمَنْعَ بِأَنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا غَيْرَ أَجْنَبِيٍّ أَشْبَهَ الضَّمِيرَ؛ لِكَوْنِهِ أَبَدًا مُحَالًا عَلَى الأَوَّلِ، وَرَاجِعًا إِلَيْهِ، وَالضَّمِيرُ لاَ يُنْعَتُ، فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي (الْمُغْنِي) : وَيُشْكِلُ عَلَيْهِمُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ"أَعْورُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى".
(1) شرح الكافية 3/ 504.
(2) ينظر: شرح الكافية 3/ 504.
(3) ينظر: شرح التسهيل 3/ 96، وشرح الأشموني 3/ 12.
(4) ينظر: شرح التسهيل 3/ 95.