إِلَى"جَارَتَا صَفَا"، أَعَادَهُ بَعْدَ إِسْنَادِ الصِّفَةِ إِلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ رَدِيئًا عَلَى مَذْهَبِ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينِ. [1]
وَذَهَبَ الْمُبَرِّدُ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي"مُصْطَلاَهُمَا"لِـ"الأَعَالِي"؛ إِذْ هُوَ جَمْعٌ فِي مَعْنَى الْمُثَنَّى؛ لأَنَّهُ لِلْجَارِيَتَيْنِ، وَلَيْسَ لِلْجَارِيَتَيْنِ إِلاَّ أَعْلَيَانِ، وَإِنَّمَا جُمِعَا بِمَا حَوْلَهُمَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ:"جَوْنَتَا مُصْطَلَى الأَعَالِي"، فَلَيْسَ فِيهِ إِلاَّ ضَمِيرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمُسْتَكِنُّ فِي"جَوْنَتَا"، فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ:"حَسَنُ وَجْهِ الأَخِ، قَبِيحٌ فِعْلُهُ". [2]
رَدَّ ابْنُ مَالِكٍ عَلَى الْمُبَرِّدِ بِقَوْلِهِ: «وَزَعَمَ الْمُبَرِّدُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى"الأَعَالِي"، وَجَاءَ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ؛ لأَنَّ"الأَعَالِي"جَمْعٌ فِي اللَّفْظِ، مُثَنًّى فِي الْمَعْنَى، كَمَا يُقَالُ:"قُلُوبُكُمَا نَوَّرَهُمَا اللهُ"، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي الاِسْتِعْمَالِ، مُنَافِرٌ لِلْمَعْنَى؛ لأَنَّ مُصْطَلَى الأَثْفِيَّةِ: أَسْفَلُهَا، فَإِضَافَتُهَا إِلَى أَعْلاَهَا بِمَنْزِلَةِ إِضَافَةِ أَسْفَلَ إِلَيْهِ، وَأَسْفَلُ الشَّيْءِ لاَ يُضَافُ إِلَى أَعْلاَهُ، وَلاَ أَعْلاَهُ إِلَى أَسْفَلِهِ، بَلْ يُضَافَانِ إِلَى مَا هُمَا لَهُ أَسْفَلُ وَأَعْلَى» [3] .
وَرَدَّ عَلَيْهِ -أَيْضًا- الرَّضِيُّ بِقَوْلِهِ: «وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُبَرِّدُ تَكَلُّفٌ، وَالظَّاهِرُ مَعَ سِيبَوَيْهِ» [4] .
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: يَرَى الْمُبَرِّدُ أَنَّ هَذِهِ الإِضَافَةَ لاَ تَجُوزُ؛ لأَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِإِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ. [5]
رَدَّ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ بِقَوْلِهِ: «فَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أُضِيفَ"حَسَنُ"إِلَى"وَجْهٍ"، وَهُوَ هُوَ فِي الْمَعْنَى، فَذَلِكَ إِنَّمَا مَنَعَهُ مَنْ مَنَعَ فِي الإِضَافَةِ الْمَحْضَةِ، وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى مَا قَالَ أَلاَّ تُضَافَ الصِّفَةُ إِلَى مَا هُوَ فَاعِلُهَا فِي الْمَعْنَى أَصْلًا، وَهُوَ مَعْلُومُ الاِسْتَحَالَةِ، ... وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ أُضِيفَ"حَسَنُ"إِلَى"وَجْهٍ"الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرٍ رَاجِعٍ إِلَى صَاحِبِ"حَسَنٍ"، فَكَأَنَّكَ أَضَفْتَ"حَسَنًا"إِلَى ضَمِيرِ
(1) ينظر: تحصيل عين الذهب، ص:160، وشرح أبيات سيبويه/ لابن السيرافي 1/ 8، وشرح المفصل 4/ 114، 115.
(2) ينظر: تحصيل عين الذهب، ص:160، وشرح المفصل 4/ 115، وشرح الكافية 2/ 265، 3/ 505.
(3) شرح التسهيل 3/ 99.
(4) شرح الكافية 3/ 505.
(5) هذا المذهب مفهوم من حصره الأوجه الجائزة في غيره، ولم يقيده بالضرورة. ينظر: المقتضب 4/ 159، وشرح التسهيل 3/ 96، والارتشاف 5/ 2353، وشرح الأشموني 3/ 12.