هَذَا، وَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ لِلْقِيَاسِ أَثَرًا -أَيْضًا- فِي الدَّرْسِ اللُّغَوِيِّ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا:
-أَنّ الْقِيَاسَ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي أَغْلَبِ مَسَائِلِ النَّحْوِ، [1] كَمَا قَالَ الْكِسَائِيُّ:
إِنَّمَا النَّحْوُ قِيَاسٌ يُتَّبَعْ***وَبِهِ فِي كُلِّ عِلْمٍ يُنْتَفَعْ [2]
-وَمِنْهَا: اخْتِلاَفُ الْعُلَمَاءِ «فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَرِوَايَاتِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكَثِيرِ الْوَارِدِ، فَبَعْضُهُمْ حَكَّمَ الْقَوَاعِدَ فِيهِمَا، وَرَفَضَ الْقِيَاسَ عَلَيْهِمَا، بَلْ خَطَّأَهُمَا، وَبَعْضُهُمْ قَبِلَهُمَا، وَدَافَعَ عَنْهُمَا، وَاحْتَجَّ بِهِمَا» [3] ، وَعَنْ ذَلِكَ يَقُولُ الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ: «كَانَ قَوْمٌ مِنَ النُّحَاةِ الْمُتَقَدِّمِينَ يَعِيبُونَ عَلَى عَاصِمٍ وَحَمْزَةَ وَابْنِ عَامِرٍ قِرَاءَاتٍ بَعِيدَةً فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَيَنْسِبُونَهُمْ إِلَى اللَّحْنِ، وَهُمْ مُخْطِئُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ رَدَّ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمُ ابْنُ مَالِكٍ عَلَى مَنْ عَابَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأَبْلَغَ رَدٍّ، وَاخْتَارَ جَوَازَ مَا وَرَدَتْ بِهِ قِرَاءَاتُهُمْ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ مَنَعَهُ الأَكْثَرُونَ، مُسْتَدِلاًّ بِهِ ... » [4] .
وَمِنَ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ هُنَا أَنَّ فَصَاحَةَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَقِرَاءَاتِهِ، وَفَصَاحَةَ مَا ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ (، أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ، وَمُعْتَمَدٌ عَلَيْهِ، فَمَا حُكِمَ مِنْهُمَا عَلَى الشُّذُوذِ وَالْقِلَّةِ، لاَ يَعْنِي تَخْطِئَتَهُ، وَلاَ نَفْيَ فَصَاحَتِهِ، وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ عَنْ بَقِيَّةِ بَابِهِ، مَعَ بَقَائِهِ عَلَى فَصَاحَتِهِ، بَلْ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيسَ عَلَى ذَلِكَ الشَّاذِّ، فَقِيلَ فِي"اسْتَحْوَذَ":"اسْتَحَاذَ"، لَمْ يَكُنْ خَطَأً. [5]
وَيُذْكَرُ -أَيْضًا- أَنَّ الْقُدَامَى كَانُوا يَهْدُفُونَ إِلَى مَنْعِ تَسَرُّبِ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ إِلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ لِذَا أَسَّسُوا بُنْيَانَهُمْ الْقِيَاسِيَّ عَلَى الْكَثْرَةِ اسْتِعْمَالًا وَعَدَدًا؛ لأَنَّ التَّهَاوُنَ فِي أَمْرِ الْقِيَاسِ « ... يُؤَدِّي إِلَى الْبَلْبَلَةِ وَالاِضْطِرَابِ فِي التَّفَاهُمِ، وَيُبْعِدُ عَنِ اللُّغَةِ أَهَمَّ خَصَائِصِهَا، وَهُوَ التَّفَاهُمُ الْجَلِيُّ ؛ إِذْ سَوْفَ يَنْشَأُ عَنْ هَذَا التَّهَاوُنِ ظُهُورُ لَهَجَاتٍ فَرْدِيَّةٍ، وَلُغَاتٍ لاَ عِدَادَ لَهَا، وَلاَ تَقْيِيدَ ... » [6] .
(1) ينظر: الاقتراح في علم أصول النحو، ص:95.
(2) البيت من الرمل، وهو في: بغية الوعاة 2/ 164 عند (ترجمة الكسائي) .
(3) دراسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر، ص:12. وينظر: النحاة والحديث النبوي/ للدكتور حسن موسى الشاعر، ص:21.
(4) الاقتراح في علم أصول النحو، ص:49.
(5) ينظر: في تاريخ النحو/ لسعيد الأفغاني، ص:70.
(6) اللغة والنحو/ لعباس حسن، ص:49.