وَوَجْهُ الاِسْتِشْهَادِ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَجِيءُ"مِنْ"لاِبْتِدَاءِ الْغَايَةِ الزَّمَانِيَّةِ.
وَقَدْ أَوَّلَ الْبَصْرِيُّونَ كُلَّ مَا احْتَجَّ بِهِ الْكُوفِيُّونَ لِـ"مِنْ"الدَّاخِلَةِ عَلَى الزَّمَانِ، وَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَوْ بِتَضْمِينِ"مِنْ"مَعْنًى آخَرَ، أَوْ بِزِيَادَتِهَا.
قَدَّرَ الْبَصْرِيُّونَ فِي الآيَةِ الأُولىَ -مَثَلًا- مُضَافًا: مِنْ تَأْسِيسِ أَوَّلِ يَوْمٍ [1] ، وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْتِ الأَوَّلِ: مِنْ مُضِيِّ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةَ [2] ، قَالَ الأَنْبَارِيُّ: « ... وَأَمَّا قَوْلُ زُهَيْرٍ:
*أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ* [3]
فَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ:
* .... مُذْ حِجَجٍ وَمُذْ دَهْرِ*
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا مَا رَوَيْتُمُوهُ:"مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ"، فَالتَّقْدِيرُ فِيهِ -أَيْضًا-: مِنْ مَرِّ حِجَجٍ وَمِنْ مَرِّ دَهْرٍ، كَمَا تَقُولُ:"مَرَّتْ عَلَيْهِ السِّنُونَ، وَمَرَّتْ عَلَيْهِ الدُّهُورُ"، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مُقَامَهُ، كَمَا بَيَّنَّا فِي الآيَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ"مِنْ"هَا هُنَا زَائِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الأَخْفَشِ؛ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ أَنْ تُزَادَ فِي الإِيجَابِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ تُزَادَ فِي النَّفْيِ» [4] .
وَقَالَ الرَّضِيُّ: «وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ اسْتِعْمَالَهَا فِي الزَّمَانِ -أَيْضًا- اسْتِدْلاَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ... { (( (( (( (( (( (( (( (( } [5] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [6] ، وَقَوْلِهِ:
لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الْحِجْرِ***أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ شَهْرِ [7]
وَأَنَا لاَ أَرَى فِي الآيَتَيْنِ مَعْنَى الاِبْتِدَاءِ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْ مَعْنَى الاِبْتِدَاءِ فِي"مِنْ": أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِـ"مِنْ"الاِبْتِدَائِيَّةِ شَيْئًا مُمْتَدًّا، كَالسَّيْرِ، وَالْمَشْيِ، وَنَحْوِهِ، وَيَكُونُ الْمَجْرُورُ بِـ"مِنْ"الشَّيْءَ الَّذِي مِنْهُ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، نَحْوُ:"سِرْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ"، أَوْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِهَا أَصْلًا لِلشَّيْءِ الْمُمْتَدِّ، نَحْوُ:"تَبَرَّأْتُ مِنْ فُلاَنٍ إِلَى فُلاَنٍ"، وَكَذَا"خَرَجْتُ مِنَ الدَّارِ"؛ لأَنَّ الْخُرُوجَ
(1) رده السهيلي بأنه لو قيل هكذا لاحتيج إلى تقدير الزمان. حاشية الدسوقي 2/ 256.
(2) ينظر: المغني 1/ 516.
(3) البيت سبق تخريجه، ص:146 من البحث، برواية"ومن شهر".
(4) الإنصاف 1/ 348.
(5) سورة التوبة، من الآية:108.
(6) سورة الجمعة، من الآية:9.
(7) سبق تخريجه، ص:146 من البحث، برواية"ومن شهر".