وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي (إِذْ قَسَّمَ غَنِيمَةَ -أُرَاهُ- حُنَيْنٍ) فَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ لَدَى الْمَذْهَبَيْنِ؛ لأَنَّ الْفَصْلَ فِيهِ بِفِعْلٍ مَلْغٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَر إِلاَّ فِي الشِّعْرِ.
ثَانِيًا: أَنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ عَامِرٍ: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلاَدَهُمْ شُرَكَائِهِمْ ... } صَحِيحَةٌ سَنَدًا؛ لأَنَّهَا قِرَاءَةٌ سَبْعِيَّةٌ مُتَوَاتِرَةٌ، وَسَدِيدَةٌ لُغَةً؛ لِوُرُودِهَا فِي أَفْصَحِ الْكَلاَمِ (الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ) ، فَلاَ وَجْهَ لِرَدِّهَا ذَلِكَ الرَّدَّ الْعَنِيفَ؛ نُصْرَةً لِمَذْهَبٍ نَحْوِيٍّ.
وَقَدِ احْتَجَّ ابْنُ مَالِكٍ [1] لِلْفَصْلِ الْوَاقِعِ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِمَا يَأْتِي:
1 -أَنَّ الْفَاصِلَ فَضْلَةٌ؛ فَلِذَلِكَ صَحَّ عَدَمُ الاِعْتِدَادِ بِهِ.
2 -كَوْنُهُ غَيْرَ أَجْنَبِيٍّ؛ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمُضَافِ، فَلَوْ لَمْ تَسْتَعْمِلِ الْعَرَبُ الْفَصْلَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ لاقْتَضَى الْقِيَاسُ اسْتِعْمَالَهُ؛ لأَنَّهُمْ قَدْ فَصَلُوا فِي الشِّعْرِ بِالأَجْنَبِيِّ كَثِيرًا، فَاسْتَحَقَّ الْفَصْلُ بِغَيْرِ أَجْنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَزِيَّةٌ، فَحُكِمَ بِجَوَازِهِ.
3 -كَوْنُهُ مُقَدَّرَ التَّأْخِيرِ مِنْ أَجْلِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، مُقَدَّرَ التَّقْدِيمِ بِمُقْتَضَى الْفَاعِلِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ.
ثَالِثًا: أَنَّ الْقِرَاءَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، لاَ اجْتِهَادِيَّةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْكُتُبِ؛ لِذَا لاَ يَنْبَغِي اتِّهَامُ قَارِئٍ مِنَ الْقُرَّاءِ بِالوُقُوعِ فِي وَهْمٍ خَطِّيٍّ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) ينظر: شرح التسهيل 3/ 277، والتصريح على التوضيح 1/ 732.