تَبَيَّنَ مِمَّا مَضَى أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَشْهُورَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ أَنَّهُ لاَ يُسْتَعْمَلُ"قَطُّ"إِلاَّ بَعْدَ مَاضٍ مَنْفِيٍّ.
وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ مِنْ دُونِ النَّفْيِ فَأَجَازَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ، مِنْ ذَلِكَ الشَّوَاهِدُ السَّابِقَةُ، بِالإِضَافَةِ إِلَى الأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا السُّيُوطِيُُّ فِي كِتَابِهِ (عُقُودُ الزَّبَرْجَدْ) [1] ، وَلَمْ تَرِدْ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَهِيَ:
1 - «فَلَمَّا نَظَرَ الْجَمَلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ (أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ (بِنَاصِيَتِهِ أَذَلَّ مَا كَانَتْ قَطُّ، حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي الْعَمَلِ» [2] .
2 -حَدِيثُ جَابِرٍ (: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ» [3] .
3 -حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ (عَنْ صَلاَةِ الْكُسُوفِ: « ... فَقَامَ بِنَا كَأَطْوَلَ مَا قَامَ بِنَا فِي صَلاَةٍ قَطُّ، ثُمَّ رَكَعَ كَأَطْوَلِ مَا رَكَعَ بِنَا فِي صَلاَةٍ قَطُّ، ثُمَّ سَجَدَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا سَجَدْنَا فِي صَلاَةٍ قَطُّ» [4] .
وَقَدْ أُوِّلَ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ:
1 -أَنَّ اسْتِعْمَالَ"قَطُّ"مِنْ دُونِ نَفْيٍ وَشِبْهِهِ نَادِرٌ وَشَاذٌّ، وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ.
2 -أَنَّ النَّفْيَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُقَدَّرٌ.
وَالرَّاجِحُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّ"قَطُّ"لاَ يُسْتَعْمَلُ إِلاَّ بَعْدَ نَفْيٍ أَوْ شِبْهِهِ؛ لِمَا يَأْتِي:
أ أَنَّ اسْتِعْمَالَ"قَطُّّ"مَعَ نَفْيٍ أَوْ شِبْهِهِ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ دُونِ ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ يَكُونُ عَلَى الأَكْثَرِ.
(1) ينظر: 1/ 67، 68.
(2) الحديث في: مسند الإمام أحمد، ح (12635) 3/ 158، من حديث أنس (. قال المحقق شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره.
(3) الحديث في: مسند الإمام أحمد، ح (14482) 3/ 321، من حديث جابر بن عبد الله (. قال المحقق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(4) الحديث في: المستدرك على الصحيحين، كتاب الكسوف، ح (1230) 1/ 478.
وسمرة بن جندب هو: ابن هلال، الفزاري، أبو سعيد، من علماء الصحابة، روى عنه ابنه سليمان، وتوفي في أول سنة ستين (60 هـ) . ينظر: كتاب الثقات/ لابن حبان 3/ 174، وسير أعلام النبلاء 3/ 183.