وَيُلْحَظُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لُغَةَ قُرْيشٍ جَاءَتْ عَلَى الْقِيَاسِ وَحْدَهُ، وَبِهَا قَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [1] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [2] . وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وَصْفِهَا بِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْعَالِيَةُ [3] ،
وَأَمَّا لُغَةُ تَمِيمٍ فَقَدْ جَاءَتْ عَلَى الْقِيَاسِ وَخِلاَفِهِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُحْزِنُهُمْ} [4] .
وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِ"حَزَنَ وَأَحْزَنَ"، خِلاَفًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ السَّرَّاجِ، وَوِفَاقًا مَعَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِِ، حِينَ رَدَّ عَلَى الْقَائِلِينَ بِتَرَادُفِ"فَعَلَ وَأفْعَلَ"، إِذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ لُغَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَقَالَ: «وَأَهْلُ اللُّغَةِ أَوْ عَامَّتُهُمْ يَزْعُمُونَ أَنًَّ"فَعَلَ وَأَفْعَلَ"بِهَمْزَةٍ، وَبِغَيْرِ هَمْزَةٍ، قَدْ يَجِيئَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ:"دِيرَ بِي، وَأُدِيرَ بِي"مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ فِي الْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ، مُخَالِفٌ لِلْحِكْمَةِ وَالصَّوَابِ، وَلاَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَفْظَانِ مُخْتَلِفَانِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، إِلاَّ أَنْ يَجِيءَ أَحَدَهُمَا فِي لُغَةِ قَوْمٍ، وَالآخَرُ فِي لُغَةِ غَيْرِهِمْ، كَمَا يَجِيءُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، أَوْ فِي لُغَةٍ رُومِيَّةٍ، وَلُغَةٍ هِنْدِيَّةٍ ... » [5] .
رَابِعًا: أَنَّ بَعْضَ اللُّغَوِيِّينَ تَحَرَّوْا وَجْهًا يُخْرِجُ"مَجْنُونًا، وَمَزْكُومًا"مِنَ الشُّذُوذِ، فَرَأَوْا أَنَّهُمَا مَبْنِيَانِ عَلَى"جُنَّ، وَزُكِمَ"، الْمَأْخُوذَيْنِ مِنْ"أَجَنَّ، وَأَزْكَمَ"بَعْدَ حَذْفِ الْهَمْزَةِ، فَقِيلَ:"جُنَّ الرَّجُلُ، فَهُوَ مَجْنُونٌ"، وَ «زُكِمَ الرَّجُلُ، فَهُوَ مَزْكُومٌ» [6] ؛ وَذَلِكَ لِتَمَكُّنِ الْمَفْعُولِ فِي أَنْفُسِ الْعَرَبِ، حَتَّى كَادَ يُلْحَقُ بِالْفَاعِلِ؛ لِذَا صَاغُوهُ بِصِيغَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ صِيغَةِ الْفَاعِلِ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ جِنِّي: «وَعِلَّةُ مَا جَاءَ مِنْ"أَفْعَلْتُهُ، فَهُوَ مَفْعُولٌ"نَحْوُ:"أَجَنَّهُ اللهُ، فَهُوَ مَجْنُونٌ، وَأَسَلَّهُ اللهُ، فَهُوَ مَسْلُولٌ"، وَبَابِهِ؛ أَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى"فُعِلَ"نَحْوُ:"جُنَّ فَهُوَ مَجْنُونٌ، وَزُكِمَ فَهُوَ مَزْكُومٌ، وَسُلَّ فَهُوَ مَسْلُولٌ"، وَكَذَلِكَ بَقِيَّتُهُ» [7] .
(1) سورة يونس، من الآية: 65.
(2) سورة الأنعام، من الآية: 33.
(3) ينظر: اللسان (ح ز ن) 13/ 112.
(4) سورة الأنبياء، من الآية:103. والقراءة لجعفر في: تحبير التيسير، ص:100، والاتحاف، ص:182، 312. وينظر: لغة تميم-دراسة تاريخية وصفية، ص: 364.
(5) تصحيح الفصيح، ص: 93.
(6) كتاب العين (ز ك م) 5/ 324.وينظر: اللسان (ز ك م) 12/ 269، والمصباح المنير (ز ك م) .
(7) الخصائص 2/ 217.