أَيْ: إِلاَّ الثَّمَامُ وَالْعَصِيُّ لَمْ تَبْلُ.
وَلِلْكُوفِيِّينَ فِي هَذَا الَّذِي يَفْتَقِرُ إِلَى تَقْدِيرٍ، مَذْهَبٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلُوا"إِلاَّ"حَرْفَ عَطْفٍ، وَمَا بَعْدَهَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا» [1] .
تَابَعَ ابْنَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ نَجْلُهُ ابْنُ النَّاظِمِ [2] ، وَالْقَسْطَلاَّنِيُّ [3] ، وَكَذَا ابْنُ حَجَرٍ، مَعَ إِضَافَةِ تَوْجِيهٍ آخَرَ لِلْحَدِيثِ الأَوَّلِ «إِلاَّ أَبُو قَتَادَةَ» ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ (أَبُو قَتَادَةَ) عَلَى الْحِكَايَةِ، فَقَالَ: «وَمِنْ تَوْجِيهِ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: (إِلاَّ أَبُو قَتَادَةَ) أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ:"عَلِيٌّ بْنُ أَبُو طَالِبٍ"» [4] ، أَيْ: إِنَّ أَبَا قَتَادَةَ اشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ"أَبُو قَتَادَةَ"؛ فَأَصْبَحَ يُحْكَى عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ دُونِ مُرَاعَاةِ الأَحْوَالِ الإِعْرَابِيَّةِ.
وَاعْتَرَضَ صَاحِبُ (الْمَصَابِيحِ) عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ مَالِكٍ هَذَا، فَقَالَ: «هَذَا الْبَابُ الَّذِي فَتَحَهُ ابْنُ مَالِكٍ يُؤَدِّي إِلَى جَوَازِ الرَّفْعِ فِي كُلِّ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلاَمٍ تَامٍّ مُوجَبٍ، مِثْلِ:"قَامَ الْقَوْمُ إِلاَّ زَيْدٌ"؛ إِذْ يَكُونَ الْوَاقِعُ بَعْدَ"إِلاَّ"مَرْفُوعًا بِالاِبْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِنَفْيِ الْحُكْمِ السَّابِقِ، وَيَنْقَلِبُ كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ مُنْقَطِعًا، بِهَذَا الاِعْتِبَارِ، وَمِثْلُهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى مَا لاَ يَخْفَى. انْتَهَى» [5] .
وَقِيلَ:"إِلاَّ"فِي قَوْلِهِ «إِلاَّ الْمُجَاهِرُونَ» بِمَعْنَى"غَيْرِ"، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «وَقَوْلُهُ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ) كَذَا رِوَايَةُ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الْهَاءِ، مَنْصُوبًا عَلَى الاِسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ"مُجَاهِرٍ"، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ"جَاهَرَهُ بِالْقَوْلِ وَبِالْعَدَاوَةِ": إِذَا نَادَاهُ، وَفَاجَأَهُ بِذَلِكَ.
وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ شَيْخِنَا أَبِي الصَّبْرِ [6] (إِلاَّ الْمُجَاهِرُونَ) بِالْوَاوِ رَفْعًا، وَهُوَ جَائِزٌ، عَلَى أَنْ تُحْمَلَ"إِلاَّ"عَلَى"غَيْرِ"، كَمَا قَدْ أَنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
(1) شواهد التوضيح، ص:41 - 44. وينظر: التنقيح 1/ 423، 3/ 1161، ومصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:1326، وعقود الزبرجد 2/ 142، 143.
(2) ينظر: شرح الألفية له، ص:290، 291.
(3) ينظر: إرشاد الساري 4/ 356، 13/ 88.
(4) فتح الباري 4/ 37.
(5) مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:1326. وينظر: إرشاد الساري 13/ 88.
(6) أبو الصبر هو: نجم الدين، أيوب بن محمد بن علوي السلمي الدمشقي، توفي سنة ثمان وأربعين وسبع مئة (748 هـ) . ينظر: الوفيات/ للسلامي، رقم (500) 2/ 57.