فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 1015

وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَقَدْ سَارُوا عَلَى مَنْهَجٍ مُخَالِفٍ؛ حَيْثُ اتَّسَعُوا فِي الرِّوَايَةِ، فَأَخَذُوا مِنْ كُلِّ فَصِيحٍ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ مَجْنُونًا، بَدَوِيًّا كَانَ أَوْ حَضَرِيًّا، كَمَا اتَّسَعُوا فِي الْقِيَاسِ، فَقَاسُوا عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ؛ لِذَا قَلَّ عِنْدَهُمُ التَّأْوِيلُ، وَالتَّقْدِيرُ، وَالتَّعْلِيلُ، وَالشُّذُوذُ ....

وَقَدْ سَيْطَرَ هَذَانِ الْمَنْهَجَانِ عَلَى الدَّرْسِ اللُّغَوِيِّ إِلَى أَنْ يَصِلَ الأَمْرُ إِلَى الْعَصْرِ الْحَدِيثِ.

وَفِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ نَظَرَ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ إِلَى اللُّغَةِ نَظْرَةً اجْتِمَاعِيَّةً، وَبَيَّنُوا أَنَّهَا تَتَطَوَّرُ بِتَطَوُّرِ الْمُجْتَمَعِ سَلْبًا وَإِيجَابًا، وَيَسْرِي عَلَيْهَا مَا يَسْرِي عَلَى سَائِرِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ، مِنْ تَغَيُّرَاتٍ وَتَقَلُّبَاتٍ.

فِي حِينَ اتَّبَعَ بَعْضُ الْمُحْدَثِينَ مَنْهَجَ الْبَصْرِيِّينَ أَوِ الْكُوفِيِّينَ.

وَنَتِيجَةً لِهَذَا التَّطَوُّرِ الْمُسْتَمِرِّ -فِي نَظَرِ الْمُحْدَثِينَ- فَإِنَّ مُهِمَّةَ اللُّغَوِيِّ لَمْ تَعُدْ فَرْضَ نِظَامٍ لُغَوِيٍّ مُعَيَّنٍ، أَوْ نَعْتَ هَذَا بِالصَّوَابِ، وَذَاكَ بِالْخَطَأِ، فَهَذَا مِنْ شَأْنِ الْجَمَاعَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي تَسْتَعْمِلُ اللُّغَةَ، فَهِيَ الَّتِي تَرْضَى أَوْ تَرْفُضُ، بَلْ مُهِمَّةُ اللُّغَوِيِّ تَتَرَكَّزُ فِي الْوَصْفِ وَالتَّسْجِيلِ، وَاسْتِنْبَاطِ الْقَوَانِينِ الَّتِي تَخْضَعُ لَهَا ظَاهِرَةُ التَّطَوُّرِ اللُّغَوِيِّ؛ مِمَّا يَجْعَلُ اللُّغَوِيَّ يَنْظُرُ إِلَى أَيِّ تَغَيُّرٍ فِي اللُّغَةِ نَظْرَةَ تَسَامُحٍ، وَنَمَاءٍ، وَاتِّسَاعٍ.

وَعَلَى ذَلِكَ يُلْحَظُ أَنَّ مُصْطَلَحَ"الْقِيَاسِ وَالْفَصَاحَةِ وَمَا يُخَالِفُهُمَا"مِنْ أَكْثَرِ الْمُصْطَلَحَاتِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي تَبَايَنَتْ فِيهَا الآرَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَتَعَدَّدَتْ عَنْهَا الْمَوَاقِفُ.

وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ الْخِلاَفِ -بِشَكْلٍ أَكْبَرَ- فِي دِرَاسَةِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ نَظَرًا لِمَا يُقَالُ عَنْ لُغَةِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِنَ الْعُجْمَةِ وَاللَّحْنِ وَعَدَمِ صَلاَحِهَا لِلاحْتِجَاجِ.

فَالْحَدِيثُ الشَّرِيفُ هُوَ الْمَصْدَرُ الثَّانِي لِلتَّشْرِيعِ الإِسْلاَمِيِّ بَعْدَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {? ٹ ... ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ?} [1] ، وَقَالَ تَعَالَى: {? ? ? ? ? ? ... ہ ہ} [2] ، وَالأَخْذُ بِمَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ (حُكْمٌ عَامٌّ يَشْمَلُ الْمَعَانِيَ وَالأَلْفَاظَ؛ إِذْ لاَ تَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةُ -بَعْدَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ- كَلاَمًا يُسَامِي الْكَلاَمَ النَّبَوِيَّ، أَوْ يُدَانِيهِ فَصَاحَةَ مَبْنًى وَبَلاَغَةَ مَعْنًى، وَجَمَالَ أُسْلُوبٍ، وَجَلاَلَ قَدَرٍ، وَبَرَاعَةَ تَرْكِيبٍ، وَرَوْعَةَ تَأْثِيرٍ.

(1) سورة النحل، من الآية:44.

(2) سورة الحشر، من الآية:7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت