فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 1015

وَقَدِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ كِبَارُ اللُّغَوِيِّينَ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ: «السُّنَّةُ تَقْضِي عَلَى اللُّغَةِ، وَاللُّغَةُ لاَ تَقْضِي عَلَى السُّنَّةِ» [1] .

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ «كِتَابَ اللهِ وَلُغَةَ رَسُولِ اللهِ أَقْوَى الأَشْيَاءِ وَأَقْوَى اللُّغَاتِ» [2] .

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ تِلْكَ الْمَكَانَةِ السَّامِيَةِ، وَذَلِكَ الاعْتِرَافِ الْبَيِّنِ، فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ مَا خَالَفَهُ الْقِيَاسُ وَالأَفْصَحُ فِي نَظَرِ جَهَابِذَةِ الْقِيَاسِ وَأَسَاطِينِ الْفَصَاحَةِ.

كَمَا وُجِدَ أَنَّ النَّحْوِيِّينَ لَمْ يَبْنُوا قَوَاعِدَهُمْ عَلَى الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وَهُوَ أَقَلُّ مُخَالَفَةً لِقَوَاعِدِهِمْ مِنَ الشِّعْرِ، وَأَثَْبَتُ رِوَايَةً.

فَكُلُّ ذَلِكَ يُثِيرُ فِي ذِهْنِ كُلِّ بَاحِثٍ عِدَّةَ أَسْئِلَةٍ، مِنْهَا:

-مَا الَّذِي جَعَلَ النَّبِيَّ (-وَهُوَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ- وَأَصْحَابَهُ الْفُصَحَاءَ يَمِيلُونَ أَحْيَانًا إِلَى الاسْتِعْمَالاَتِ الْقَلِيلَةِ وَالأَوْجُهِ النَّادِرَةِ؟

-وَمَا الْمِعْيَارُ لِلتَّقْعِيدِ؟ وَهَلْ هَذَا الْمِعْيَارُ قَابِلٌ لِلتَّغَيُّرِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ؟

-وَهَلِ الْخُرُوجُ عَنِ الْقَوَاعِدِ يُسَاكِنُ الْفَصَاحَةَ وَيُجَاوِرُ الْبَلاَغَةَ أَوْ يُخَالِفُهُمَا؟

وَلِلإِجَابَةِ عَنْ هَذِهِ التَّسَاؤُلاَتِ وَغَيْرِهَا جَنَحَ هَذَا الْبَحْثُ إِلَى دِرَاسَةِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي خَالَفَهَا الْقِيَاسُ وَالأَفْصَحُ، حَسْبَ مَقَايِيسِ النَّحْوِيِّينَ وَاللُّغَوِيِّينَ، مَعَ إِلْمَاحٍ إِلَى الأَوْجُهِ الْقِيَاسِيَّةِ، بِجَانِبِ أَخَوَاتِهَا الْمُخَالِفَةِ؛ لِيَقِفَ النَّاطِقُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنْصَعِ الأَسَالِيبِ وَأَسْمَاهَا، فِي وَقْتٍ أَصْبَحَتِ اللُّغَةُ تَعَلُّمًا وَتَكَسُّبًا، لاَ فِطْرَةً وَسَلِيقَةً.

وَآثَرَ الْبَحْثُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الدِّرَاسَةُ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ"دُكْتُورَاهْ"بِعُنْوَانِ:

مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ وَالأَفْصَحِ فِي نَظَرِ النَّحْوِيِّينَ وَاللُّغَوِيِّينَ

مِنْ خِلاَلِ الصَّحِيحَيْنِ جَمْعٌ وَدِرَاسَةٌ.

وَهُوَ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِقَوَاعِدِ اللُّغَةِ وَمَقَايِيسِ الْفَصَاحَةِ فِي أَحَادِيثِ (الصَّحِيحَيْنِ: صَحِيحِ الإِمَامِ الْبُخَارِيِّ، وَصَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ) ؛ لِمَا لِهَذَيْنِ الْكِتَابَيْنَ مِنْ مَكَانَةٍ سَامِيَةٍ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ، وَانْتِشَارٍ وَاسِعٍ فِي الْبُلْدَانِ؛ مِمَّا جَعَلَهُمَا فِي حَاجَةٍ لِهَذَا الْعَمَلِ وَأَمْثَالِهِ.

(1) مجالس ثعلب، ص:179.

(2) معاني القرآن وإعرابه 3/ 107، 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت