يَرَى اللُّغَوِيُّونَ الْمُحْدَثُونَ أَنَّ الْخُطَّةَ الْمَنْهَجِيَّةَ السَّلِيمَةَ لِدِرَاسَةِ اللُّغَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِمَّا تَارِيخِيَّةً Diachronic، أَوْ أَنْ تَكُونَ وَصْفِيَّةً Synchronic، وَأَنَّ الدِّرَاسَةَ التَّارِيخِيَّةَ، تَقُومُ عَلَى الدِّرَاسَةِ الْوَصْفِيَّةِ. [1]
فَهَؤُلاَءِ يَرَوْنَ أَنَّ دِرَاسَةَ اللُّغَةِ تَحْتَ إِطَارٍ زَمَانِيٍّ وَمَكَانِيٍّ مُحَدَّدَيْنِ-كَمَا فَعَلَ الْقُدَامَى- مَنْهَجٌ غَيْرُ سَلِيمٍ.
مِنْ هُنَا ذَهَبَ هَؤُلاَءِ إِلَى الاِعْتِدَادِ بِفَصَاحَةِ كُلِّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ، وَكَلاَمِ الْعَرَبِ شِعْرًا وَنَثْرًا، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَوَاعِدِ النُّحَاةِ، وَآرَاءِ اللُّغَوِيِّينَ، بَلْ يَقِيسُونَ عَلَى ذَلِكَ الْمُخَالِفِ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ -فِي نَظَرِهِمْ-، أَوِ الصَّوْغَ الْقِيَاسِيَّ Analogic Creation، أَوْ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ (مُحَاكَاةُ النَّظِيرِ Analogy) «عَمَلٌ يَقُومُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ لاَ النُّحَاةُ، وَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ هُوَ: النُّظُمُ اللُّغَوِيَّةُ الْعُرْفِيَّةُ، الَّتِي تُخْتَزَنُ فِي ذِهْنِ الْمُتَكَلِّمِ وَشُعُورِهِ، مِنْ دُونِ مَجْهُودٍ، وَلَيْسَتِ الْقَوَاعِدَ الْمَحْفُوظَةَ الْمُقَرَّرَةَ، وَالْمَقِيسُ هُوَ: الْحَدَثُ الْكَلاَمِيُّ، الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِعْلًا، وَلَيْسَ إِخْضَاعَ مَا وَرَدَ مِنْ كَلِمَاتٍ لِلْقَوَانِينِ» [2] .
فَاللُّغَة -فِي نَظَرِهِمْ- نُظُمٌ وَصِيَغٌ مُجَمَّدَةٌ فِي الْمُعْجَمَاتِ وَالْكُتُبِ، تَتَعَارَفُ عَلَيْهَا الْجَمَاعَةُ، فَهِيَ خَاصَّةٌ بِالْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الْكَلاَمُ فَنَشَاطٌ فَرْدِيٌّ يُنْتِجُهُ أَحَدُ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْفَرْدِ؛ لِذَلِكَ تُوجَدُ فِي اللُّغَةِ ظَوَاهِرُ كَثِيرِةٌ لاَ تَخْضَعُ لِقَوَاعِدَ مُطَّرِدَةٍ؛ لاخْتِلاَفِ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ لِذَا فَإِنَّ الْفَيْصَلَ فِي الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ هُوَ مَدَى تَقَبُّلِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِهَذَا الْمُخَالِفِ [3] .
وَمِنْ جَانِبٍ آخَرَ دَعَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحْدَثِينَ إِلَى تَصْفِيَّةِ النَّحْوِ الْقَدِيمِ، وَوَضْعِ قَوَاعِدَ جَدِيدَةٍ مُوَحَّدَةٍ، مُسْتَقَاةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَقِرَاءَاتِهِ، وَمِنْ لُغَاتِ الْقَبَائِلِ، وَمِنْ كُلِّ كَلاَمِ عَرِبِيٍّ أَصِيلٍ؛ وَذَلِكَ -فِي نَظَرِهِمْ- دَفْعًا لِلْغُمُوضِ وَمَنْعًا لِلْبَلْبَلَةِ فِي الضَّبْطِ؛ وَخُرُوجًا مِنْ تَنَاقُضِ الْمَذَاهِبِ؛ وَتَوْسِعَةً فِي أُصُولِ اللُّغَةِ، وَتَنْمِيَةِ مَوَادِهَا. [4]
وَقَدْ لَخَّصَ الدُّكْتُورْ تَمَّامْ حَسَّانْ ذَا الاِتِّجَاهَ الْجَدِيدَ، بِقَوْلِهِ: «وَلَكِنَّ مُعْتَرَكَ اللُّغَةِ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَخْضَعَ لِضَوَابِطِ النَّحْوِ، وَيَرْجِعُ هَذَا إِلَى أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لَيْسَ أَهْوَنُهَا طُمُوحَ الأُدَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ إِلَى
(1) ينظر: أصول النحو العربي/ للدكتور محمد عيد، ص:76.
(2) السابق، ص:99.
(3) ينظر: السابق، ص:93، 100.
(4) ينظر: القياس في اللغة العربية/ محمد الخضر حسين، ص:29، وما بعدها، واللغة والنحو/ لعباس حسن، ص: 107 - 116، ودارسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر، ص:22.