وَمِثَالُ ذَلِكَ فِي الأَفْعَالِ الْمُعْتَلَّةِ: أَنَّ فِعْلَ"كَانَ"أَصْلُهُ:"كَوْنَ kauna"، كَمَا فِي الطَّوْرِ الأَوَّلِ، ثُمَّ صَارَ:"كُونَ ko:na"، كَمَا فِي الطَّوْرِ الثَّانِي، ثُمَّ صَارَ فِي الطَّوْرِ الأَخِيرِ:"كَانَ"بِأَلِفِ لِينٍ خَالِصَةٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْقَبَائِلَ اخْتَلَفَتْ فِي تِلْكَ الأَطْوَارِ: فَبَعْضُهَا احْتَفَظَتْ بِالطَّوْرِ الأَوَّلِ، وَبَعْضُهَا وَصَلَتْ إِلَى الطَّوْرِ الثَّانِي، أَمَّا الطَّوْرُ الأَخِيرُ فَهُوَ أَفْصَحُهَا وَأَكْثَرُهَا شُيُوعًا بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَعَلَيْهِ لُغَةُ مَنْ يُلْزِمُونَ الْمُثَنَّى الأَلِفَ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ، وَعَلَيْهِ اللُّغَةُ الأَدَبِيَّةُ النَّمُوذَجِيَّةُ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ، وَأَمَّا فِي حَالَتَيِ النَّصْبِ وَالْجَرِّ فَتَلْتَزَمُ بِاليَاءِ وَهُوَ مِنَ الطَّوْرِ الأَوَّلِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ مِنْ إِعْرَابِ الْمُثَنَّى بِالأَلِفِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ يُخَالِفُهُ الْقِيَاسُ فِي نَظَرِ جُمْهُورِ النُّحَاةِ الْقُدَامَى.
وَقَدْ حَمَلَ الشُّرَّاحُ تِلْكَ الأَحَادِيثَ عَلَى لُغَةِ تِلْكَ الْقَبَائِلِ [1] ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ لُغَةَ جُمْهُورِ الْعَرَبِ هِيَ الأَشْهَرُ وَالأَفْصَحُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ (:(إِنَّ لَهُ لأَجْرَانِ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ (لأَجْرَانِ) بِالأَلِفِ، وَفِي بَعْضِهَا (لأَجْرَيْنِ) بِالْيَاءِ، وَهُمَا صَحِيحَانِ، لَكِنَّ الثَّانِيَ هُوَ الأَشْهَرُ الأَفْصَحُ، وَالأَوَّلُ لُغَةُ أَرْبَعِ قَبَائِلَ مِنَ الْعَرَبِ [2] ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ» [3] .
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَمِنْ شَوَاهِدِ هَذِهِ اللُّغَةِ قَوْلُ أُمِّ رُومَانَ:"بَيْنَمَا أَنَا مَعَ عَائِشَةَ جَالِسَتَانِ"فَـ (جَالِسَتَانِ) حَالٌ، وَكَانَ حَقُّهُ، لَوْ جَاءَ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ، أَنْ تَكُونَ بِالْيَاءِ، لَكِنَّهُ جَاءَ عَلَى اللُّغَةِ الْحَارِثِيَّةِ.
وَمِمَّا جَاءَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-:"إِيَّاكُمْ وَهَاتَانِ الْكَعْبَتَانِ الْمَوْسُومَتَانِ" [4] .
وَقَوْلُهُ (: «إِنِّي وَإيَّاكَ وَهَذَانِ وهَذَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [5] ، أَخْرَجَهُمَا أَبُو الْفَرَجِ فِي(جَامِعِ الْمَسَانِيدِ) » [6] .
(1) ينظر: إكمال الإكمال 5/ 60.
(2) لم يصرّح النووي بأسماء هذه القبائل في أيّ موضع من كتابه (شرح صحيح مسلم) . ينظر: الظواهر اللغوية في صحيح الإمام مسلم، ص:497.
(3) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 12/ 377.
(4) الحديث في: الأدب المفرد/ للبخاري، باب قمار الحمام، ح (1270) ، بلفظ: «إِيَّاكُمْ وَهَاتَيْنِ الْكَعْبَتَيْنِ الْمَوْسُومَتَيْنِ» ، وسنن البيهقي الكبرى، ح (20743) 10/ 215، بلفظ: «اتَّقُوا هَاتَيْنِ الْكَعْبَتَيْنِ الْمَوْسُومَتَيْنِ ... » ولم أجده في (جامع المسانيد) .
(5) الحديث في: مسند الإمام أحمد، ح (792) 1/ 101، من حديث علي (، قال المحقق شعيب الأرنؤوط: إ سناده ضعيف جدًا، ومسند البزار، ح(779) 3/ 29، أو 1 - 3، ح (779) 3/ 29، وفي كليهما بلفظ: «إِنِّى وَإِيَّاكَ وَهَذَيْنِ وَهَذَا الرَّاقِدَ ... » .
(6) شواهد التوضيح، ص:97، 98.