فَقَوْلُهُ: (كَلَّمُوهُمْ) بِضَمِيرِ الْجَمْعِ جَاءَ عَلَى الأَصْلِ؛ لأَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ ثَلاَثَةٌ: مُوسَى وَالْخِضْرُ، وضُمَّ يُوشَعُ مَعَهُمَا عِنْدَ الْكَلاَمِ مَعَ أَهْلِ السَّفِينَةِ؛ لأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي كَلاَمَ التَّابِعِ. [1]
وَأَمَّا ضَمِيرُ الْمُثَنَّى فِي قَوْلِهِ: (فَحَمَلُوهُمَا) فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ: مُوسَى وَالْخِضْرُ -عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ-؛ وَخُصَّا بِالذِّكْرِ؛ لأَهَمِيَّتِهِمَا، وَلَمْ يُذْكَرْ مَعَهُمَا يُوشَعُ فَتَى مُوسَى؛ لأَنَّهُ تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالأَصَالَةِ [2] ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: «فَإِنْ قُلْتَ: هُمْ ثَلاَثَةٌ، وَقَالَ: (كَلَّمُوهُمْ) ، فَلِمَ قَالَ: (هُمَا) مُثَنًّى؟ قُلْتُ: يُوشَعُ تَابِعٌ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الأَصْلِ عَنِ الْفَرْعِ» [3] .
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: « (فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الْخِضْرَ فَحَمَلُوهُمَا) هَكَذَا وَرَدَ الضَّمِيرُ أَوَّلًا جَمْعًا، ثُمَّ مُثَنًّى، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مُوسَى وَالْخِضْرَ وَيُوشَعَ قَالُوا لأَصْحَابِ السَّفِينَةِ: هَلْ تَحْمِلُونَنَا؟ فَعَرَفُوا الْخِضْرَ، فَحَمَلُوهُمْ، فَجَمَعَ الضَّمِيرَ فِي (كَلَّمُوهُمْ) عَلَى الأَصْلِ، وَثَنَّى (فَحَمَلُوهُمَا) ؛ لأَنَّهُمَا الْمَتْبُوعَانِ، وَيُوشَعُ تَبَعٌ لَهُمَا، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {چ ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [4] ، فَثَنَّى، ثُمَّ وَحَّدَ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ» [5] مِنَ التَّبَعِيَّةِ.
وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يُوشَعُ لَمْ يَرْكَبْ مَعَهُمَا؛ لأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ ذَلِكَ [6] .
وَلَكِنَّ الرَّوَايَةَ الأُخْرَى (فَحَمَلُوهُمْ) بِضَمِيرِ الْجَمْعِ تَنْفِي عَدَمَ رَكُوبِ يُوشَعَ مَعَ مُوسَى وَالْخِضْرِ -عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ-، قَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: «لَكِنَّ فِي رِوَايَةٍ بِفَرْعِ (الْيُونِينِيَةِ كهي) (فَعُرِفَ الْخِضْرُ فَحَمَلُوهُمْ) بِالْجَمْعِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِرُكُوبِهِ مَعَهُمَا فِي السَّفِينَةِ» [7] .
وَعَلَى هَذَا يَبْقَى الاحْتِمَالُ الأَوَّلُ أَقْوَى، وَهُوَ أَنَّهُ أُرْجِعَ الضَّمِيرُ (هُمَا) إِلَى مُوسَى وَالْخِضْرِ؛ لِلاهْتِمَامِ بِهِمَا، مَعَ كَوْنِ الْكَلاَمِ عَنْهُمَا وَعَنْ يُوشَعَ فَتَى مُوسَى.
(1) ينظر: إعراب الحديث النبوي/ للعكبري، ص:97، وفتح الباري 1/ 266، وإرشاد الساري/ للقسطلاني 1/ 323.
(2) ينظر: إعراب الحديث النبوي/ للعكبري، ص:97، وفتح الباري 1/ 266، وإرشاد الساري 1/ 323.
(3) الكواكب الدراري 2/ 143. وينظر: التنقيح 1/ 81.
(4) سورة طه، من الآية:117.
(5) التنقيح 1/ 81.
(6) ينظر: فتح الباري 1/ 266، وإرشاد الساري 1/ 323.
(7) إرشاد الساري 1/ 323.
والقسطلاني هو: أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك، القتيبي، المصري، ولد في القاهرة سنة (851 هـ) ، وهو من علماء الحديث، من مؤلفاته"لطائف الإشارات في علم القراءات"، توفي بالقاهرة سنة (923 هـ) . ينظر: الضوء اللامع، رقم (218) 2/ 73، والبدر الطالع، رقم (60) 1/ 102.