مَوَاتٍ أَوْ جَمِيعَ حَيَوَانٍ، ثُمَّ أَشْرَكُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوَاتِ أَوْ مِنَ الْحَيَوَانِ، جَعَلُوا لَفْظَ صِفَتِهِمَا، أَوْ لَفْظَ خَبَرِهِمَا عَلَى لَفْظِ الاِثْنَيْنِ، وَقَالَ الأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ [1] :
إِنَّ الْمَنِيَّةَ وَالْحُتُوفَ كِلاَهُمَا *** يُوفِي الْمَخَارِمَ يَرْقُبَانِ سَوَادِي [2] » [3] .
أَوْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ السَّمَوَاتِ جَمَاعَةٌ وَالأَرْضُ جَمَاعَةٌ أُخْرَى، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «وَإِنَّمَا قِيلَ:"كَانَتَا"مِنْ دُونِ"كُنَّ"؛ لأَنَّ الْمُرَادَ جَمَاعَةُ السَّمَوَاتِ، وَجَمَاعَةُ الأَرْضِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ:"لِقَاحَانِ سَوْدَاوَانِ"، أَيْ: جَمَاعَتَانِ، فَعَلَ فِي الضَّمِيرِ نَحْوَ مَا فَعَلَ فِي الْمُظْهَرِ» [4] .
أَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ نَوْعٌ أَوْ جِنْسٌ، وَالأَرْضُ نَوْعٌ أَوْ جِنْسٌ آخَرُ، قَالَ أَبُو حَيَّانٍ: «جَعَلَ السَّمَوَاتِ نَوْعًا، وَالأَرْضَ نَوْعًا، فَأَخْبَرَ عَنِ النَّوْعَيْنِ كَمَا أَخْبَرَ عَنِ اثْنَيْنِ، كَمَا تَقُولُ:"أَصْلَحْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ"وَ"مَرَّ بِنَا غَنَمَانِ أَسْوَدَانِ"لِقَطِيعَيْ غَنَمٍ. وَقَالَ الْحَوْفِيُّ [5] :"كَانَتَا رَتْقًا"وَالسَّمَوَاتُ جَمْعٌ؛ لأَنَّهُ أَرَادَ الصِّفَتَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ:
إِنَّ الْمَنِيَّةَ وَالْحُتُوفَ كِلاَهُمَا *** يُوَِي الْمَخَارِمَ يَرْقُبَانِ سَوَادِي
لأَنَّهُ أَرَادَ النَّوْعَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْجِنْسَيْنِ .... » [6] .
وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ «فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفُ الْخِضْرُ، فَحَمَلُوهُمَا» فَالشَّاهِدُ فِيهِ قَوْلُهُ: (فَحَمَلُوهُمَا) حَيْثُ عَادَ ضَمِيرُ الْمُثَنَّى (هُمَا) عَلَى (مُوسَى وَالْخِضْرِ وَ يُوشَعَ) وَهُمْ جَمَاعَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَكَلَّمُوهُمْ) بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، فَالْمَعْنَى «أَنَّ مُوسَى وَالْخِضْرَ وَيُوشَعَ قَالُوا لأَصْحَابِ السَّفِينَةِ: هَلْ تَحْمِلُونَنَا؟ فَعَرَفُوا الْخِضْرَ، فَحَمَلُوهُمْ» [7] .
(1) الأسود بن يعفر هو: أبو الجراح، النهشلي، الدارمي، شاعر جاهلي فحل، من سادات تميم، من أهل العراق، يُقَالُ له:"أعشى بني نهشل"، يعدّ من الطبقة الخامسة الجاهلية. ينظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 147.
(2) البيت من الكامل، وهو في: ديوانه، ص:26، وشرح اختيارات المفضل/ للتبريزي 2/ 967، والمغني 1/ 342، وهو بلا نسبة في: الخزانة 7/ 575. المخارم: جمع"مَخْرِمٍ"، وهو منقطع أنف الجبل. ينظر: القاموس (خ رم) ، أي: إن المنية والهلاك يستشرفان مخارم الجبال؛ لمراقبة الذي ينتهي أجله.
(3) مجاز القرآن 2/ 36.
(4) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل/ للزمخشري 3/ 114.
(5) الحوفي هو: أبو الحسن، علي بن إبراهيم بن سعيد، المصري، له كتاب"إعراب القرآن"، وتوفي سنة ثلاثين وأربع مئة (430 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 2/ 219، 220، وإشارة التعيين، ص:206، 207، وبغية الوعاة 2/ 140.
(6) البحر المحيط 7/ 424. وينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم 7/ 231، 232 (القسم الثاني- الجزء الرابع) .
(7) إعراب الحديث النبوي/ للعكبري، ص:97.