وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْتِزَامَ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ لاَ يُخْرِجُهَا عَنِ الْفِعْلِيَّةِ، وَالْتِزَامُ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ» [1] .
وَعَنْ هَاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ، وَعَنْ ذَيْنِكَ الْمَذْهَبَيْنِ يَقُولُ الْعُكْبَرِيُّ: «قَوْلُهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( } [2] لِلْعَرَبِ فِيهَا لُغَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: تَكُونُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فِي الْوَاحِدِ، وَالتَّثْنِيَّةِ، وَالْجَمْعِ، وَالْمُذَكَّرِ، وَالْمُؤَنَّثِ، فَعَلَى هَذَا هِيَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَبُنِيَتْ؛ لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَ الأَمْرِ الْمَبْنِيِّ، وَمَعْنَاهَا: أَحْضِرُوا شُهَدَاءَكُمْ.
وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةُ: تَخْتَلِفُ، فَتَقُولُ:"هَلُمَّا، وَهَلُمُّوا، وَهَلُمِّي، وَهَلُمْمَنَّ"، فَعَلَى هَذَا هِيَ فِعْلٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْلِهَا:
فَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: أَصْلُهَا"هَا""الْمُمْ"، أَيْ: اقْصِدْ، فَأُدْغِمَتِ الْمِيمُ فِي الْمِيمِ، وَتَحَرَّكَتِ اللاَّمُ، فَاسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، فَبَقِيَ"لُمَّ"، ثُمَّ حُذِفَتْ أَلِفُ"هَا"الَّتِي هِيَ للِتَّنْبِيهِ؛ لأَنَّ اللاَّم َفِي"لُمَّ"فِي تَقْدِيرِ السَّاكِنَةِ؛ إِذْ كَانَتْ حَرَكَتُهَا عَارِضَةً، وَلَحِقَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ مِثَالَ الأَمْرِ، كَمَا يَلْحَقُ غَيْرَهُ مِنَ الْمُثُلِ، فَأَمَّا فَتْحَةُ الْمِيمِ فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا حُرِّكَتْ بِهَا؛ لاِلْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَلَمْ يَجُزِ الضَّمُّ، وَلاَ الْكَسْرُ، كَمَا جَازَ فِي"رُدَّ، وَرَدُّ، وَرَدِّ"؛ لِطُولِ الْكَلِمَةِ بِوَصْلِ"هَا"بِهَا، وَأَنَّهَا لاَ تُسْتَعْمَلُ إِلاَّ مَعَهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا فُتِحَتْ مِنْ أَجْلِ التَّرْكِيبِ، كَمَا فُتِحَتْ"خَمْسَةَ عَشْرَ"وَبَابُهَا.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهَا"هَلْ""أُمَّ"، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى اللاَّمِ، وَحُذِفَتْ.
وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لأَنَّ لَفْظَهُ أَمْرٌ، وَ"هَلْ"إِنْ كَانَتِ اسْتِفْهَامًا، فَلاَ مَعْنَى لِدُخُولِهِ عَلَى الأَمْرِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى:"قَدْ"فَلاَ تَدْخُلُ عَلَى الأَمْرِ، وَإِنْ كَانَتْ"هَلْ"اسْمًا لِلزَّجْرِ، فَتِلْكَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ، ثُمَّ لاَ مَعْنَى لَهَا هَا هُنَا» [3] .
وَجَّهَ الشُّرَّاحُ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ عَلَى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ -الْمُوَافِقَةِ لِمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينِ، الْمُخَالِفَةِ لِلْقِيَاسِ وَالأَفْصَحِ [4] فِي نَظَرِ الْبَصْرِيِّينَ [5] - قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ: (فَهَلُمِّي لأُرِيكِ) [6] هَذَا جَارٍ عَلَى إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ فِي"هَلُمَّ"، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ:"هَلُمَّ يَا رَجُلُ"بِفَتْحِ الْمِيمِ، بِمَعْنَى: تَعَالَ.
(1) التصريح على التوضيح 2/ 765.
(2) سورة الأنعام من الآية: 150.
(3) التبيان 1/ 409.
(4) شذّ الفيومي ناقلًا عن أبي زيد أن أكثر العرب على لغة بني تميم، وهذا نصه: «وقال أبو زيد استعمالها بلفظ واحد للجميع، من لغة عقيل، وعليه قيس بعد، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب» المصباح المنير (هـ ل م) .
(5) ينظر: الخصائص 3/ 36.
(6) جزء من حديث في: مسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، ح 403 - (1333) 2/ 968.