فَإِنْ كَانَتْ"هَلْ"لَمْ تَخْلُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الَّتِي لِلاِسْتِفْهَامِ، أَوِ الَّتِي بِمَعْنَى"قَدْ"، أَوْ تَكُونَ"هَلْ"الَّذِي هُوَ الصَّوْتُ الْمُسْتَعْمَلُ لِلْحَضِّ وَالْحَثِّ: فَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الَّتِي لِلاِسْتِفْهَامِ؛ لأَنَّ الاسْتِفْهَامَ إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى مَا كَانَ خَبَرًا. وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى"قَدْ"؛ لأَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْخَبَرِ. وَلاَ تَكُونُ الَّتِي لِلْحَضِّ؛ لأَنَّ تِلْكَ مُتَحَرِّكَةُ الآخِرِ بِالْفَتْحِ، فَإِذَا وُقِفَ عَلَيْهَا وُقِفَ بِالأَلِفِ، كَمَا يُوقَفُ عَلَى"أَنَا"» [1] .
وَدُوفِعَ عَنْهُ بِأَنَّ"هَلْ"هُنَا لِلزَّجْرِ وَالْحَثِّ. [2]
وَرُدَّ بِأَنَّ تِلْكَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ، ثُمَّ لاَ مَعْنَى لَهَا هَا هُنَا. [3]
وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ -أَيْضًا- إِلَى أَنَّ"هَلُمَّ"فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِذَا تَتَّصِلُ بِهِ ضَمَائِرُ الرَّفْعِ الْبَارِزَةُ، فَيُقَالُ:"هَلُمَّا، وَهَلُمُّوا، وَهَلُمِّي، وَهَلْمُمْنَ"، وَيُسْتَعْمَلُ مِنْهُ الْمُضَارِعُ، فَيُقَالُ:"لاَ أُهَلِمُّ" [4] ، وَتَدْخُلُ عَلَيْهِ نُونَا التَّوْكِيدِ.
فَمَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ مُوَافِقٌ لِلُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ [5] ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «وَقَدْ تَدْخُلُ الْخَفِيفَةُ وَالثَّقِيلَةُ فِي"هَلُمَّ"، فِي لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ؛ لأَنَّهَا -عِنْدَهُمْ- بِمَنْزِلَةِ"رُدَّ، وَرُدَّا، وَرُدِّي، وَارْدُدْنَ"، كَمَا تَقُولُ:"هَلُمَّ، وَهَلُمَّا، وَهَلُمِّي، وَهَلْمُمْنَ"، وَالْهَاءُ فَضْلٌ، إِنَّمَا هِيَ الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ، وَلَكِنَّهُمْ حَذَفُوا الأَلِفَ؛ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ هَذَا فِي كَلاَمِهِمْ» [6] .
وَقَالَ الشِّيخُ خَالِدٌ الأَزْهَرِيُّ: «وَذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إِلَى أَنَّ"هَلُمَّ"فِي لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ اسْمٌ، غَلَبَ فِيهِ جَانِبُ الْفِعْلِيَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِالْتِزَامِهِمِ الإِدْغَامَ، وَلَوْ كَانَتْ فِعْلًا لَجَرَتْ مَجْرَى"رَدَّ"، فِي جَوَازِ الضَّمِّ، وَالْكَسْرِ، وَالإِظْهَارِ.
(1) إيضاح الشعر، ص:88.
(2) ينظر: الخصائص 3/ 36، وشرح المفصل 3/ 30، وهمع الهوامع 5/ 126.
(3) ينظر: التبيان 1/ 409.
(4) ينظر: المسائل الشيرازيات 1/ 197.
(5) ينظر: مجاز القرآن 1/ 208، ومعاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 2/ 303، والمقتضب 3/ 203، والأصول في النحو/ لابن السراج 1/ 146، وكتاب حروف المعاني/للزجاجي 1/ 74، والخصائص 1/ 168، 3/ 36، والتعليق على الموطأ 1/ 74، والفائق 4/ 108، 109، والنهاية (هـ ل م) ، وشرح المفصل 3/ 31، والممتع في التصريف 2/ 659، والارتشاف 1/ 345، وشرح قطر الندى/لابن هشام، ص:31، وشرح الأشموني 3/ 206، ولغة تميم- دراسة تاريخية وصفية، ص: 488.
(6) الكتاب 3/ 529.