يُلْحَظُ مِمَّا سَبَقَ مَا يَلِي:
أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَصْرُ مِنْ أَفْصَحِ وَأَوْثَقِ الاسْتِعْمَالاَتِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ الْوَارِدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا» - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ- فَهُوَ مِنْ أَفْصَحِ الْكَلاَمِ وَأَبْلَغِهِ؛ إِذْ فِيهِ قَصْرُ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ (أَتْقَى، وَأَعْلَمَ» عَلَى اسْمِ"إِنَّ"الْمُتَأَخِّرِ(أَنَا) ، عَلَى مَعْنَى: لاَ يُوجَدُ أَحَدٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَعْلَمُهُ، كَمَا يَتَّقِيهِ وَيَعْلَمُهُ الرَّسُولُ (، وَفِي هَذَا يَقُولُ صَاحِبُ(فَيْضِ الْقَدِيرِ شَرْحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) : « (إِنَّ أَتْقَاكُمْ) أَيْ: أَكْثَرُكُمْ تَقْوًى، (وَأَعْلَمُكُمْ) أَيْ: أَكْثَرُكُمْ عِلْمًا بِاللهِ أَنَا؛ لأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَمَعَ لَهُ بَيْنَ عِلْمِ الْيَقِينِ، وَعَيْنِ الْيَقِينِ، مَعَ الْخَشْيَةِ الْقَلْبِيَّةِ، وَاسْتِحْضَارِ الْعَظَمَةِ الإِلَهِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمُ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ ازْدَادَ تَقْوَاهُ، وَخَوْفُهُ مِنْهُ، وَمَنْ عَرَفَ اللهَ صَفَا لَهُ الْعَيْشُ، وَهَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ، فَمَعْنَاهُ: مَا أَنَا عَلَيْهِ مِنَ التَّقْوَى وَالْعِلْمِ أَوْفَرُ وَأَكْثَرُ مِنْ تَقْوَاكُمْ وَعِلْمِكُمْ، فَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي. ذَكَرَهُ الْقَاضِي» [1] .
وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: «وَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ» فَمِنْ بَابِ اتِّصَالِ ضَمِيرَيْنِ بِمَصْدَرٍ، أَوَّلُهُمَا مَجْرُورٌ بِالإِضَافَةِ، وَالثَّانِي مَنْصُوبٌ بِالْمَصْدَرِ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ الضَّمِيرَيْنِ بَعْدِ الْفِعْلِ، قَالَ الرَّضِيُّ [2] : «وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ مَجْرُورًا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي مَنْصُوبًا، فَكَمَا إِذَا كَانَا بَعْدَ الْفِعْلِ، وَكِلاَهُمَا مَنْصُوبٌ، أَيْ: يُنْظَرُ إِلَى الثَّانِي: هَلْ هُوَ أَنْقَصُ تَعْرِيفًا، أَوْ أَزْيَدُ، أَوْ مُسَاوٍ، وَتَقُولُ فِي الأَنْقَصِ:"ضَرْبُكَهَا"وَ"ضَرْبُكَ إِيَّاهَا"قَالَ:
فَلاَ تَطْمَعْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ فِيهَا *** وَمَنْعُكَهَا بِشَيْءٍ يُسْتَطَاعُ [3] ».
فَمَا بَعْدَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ إِذَا كَانَ أَنْقَصَ مِنْهُ تَعْرِيفًا جَازَ فِي الأَخِيرِ الانْفِصَالُ وَالاتِّصَالُ، وَهَذَا مَا حَصَلَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ؛ لِذَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ (قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ) ، كَمَا يَجُوزُ (قِتَالُكُمُوهُ) .
وَيَبْقَى الْخِلاَفُ -فِي هَذِهِ الْحَالَةِ- فِي أَيِّهِمَا أَرْجَحُ وَأَفْصَحُ: الانْفِصَالُ أَوِ الاتِّصَالُ؟ [4] ، قَالَ الْعَيْنِيُّ: «قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: فِيهِ انْفِصَالُ ثَانِي الضَّمِيرَيْنِ، وَالاخْتِيَارُ أَنْ لاَ يَجِيءَ الْمُنْفَصِلُ إِذَا تَأَتَّى مَجِيءُ الْمُتَّصِلِ، وَقَالَ شَارِحٌ آخَرُ:"قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ"أَفْصَحُ مِنْ"قِتَالِكُمُوهُ"بِاتِّصَالِ الضَّمِيرِ؛ فَلِذَلِكَ فَصَلَهُ، قُلْتُ: الصَّوَابُ مَعَهُ نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ» [5] .
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(2) شرح الكافية 3/ 40.
(3) البيت من الوافر، وهو لعبيدة بن ربيعة، وهو في: شرح ديوان الحماسة/ للمرزوقي، ص:211 والخزانة 5/ 297.
(4) ينظر: توضيح المقاصد بشرح ألفية ابن مالك 1/ 149.
(5) عمدة القاري 1/ 92.