وَيَرَى الْكُوفِيُّونَ أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ، بِلاَ فَاصِلٍ، جَائِزٌ وَسَائِغٌ، غَيْرُ مُسْتَقْبَحٍ؛ لِوُجُودِ شَوَاهِدَ لَهُ نَثْرًا وَنَظْمًا؛ وَلِوُجُودِ مُشَابَهَةٍ بَيْنَ هَذَا الضَّمِيرِ وَالضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ الْمَنْصُوبِ، الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِ الْعَطْفِ عَلَيْهِ.
وَلَكِنْ مَعَ اعْتِرَافٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْعَطْفَ مَعَ وُجُودِ فَاصِلٍ هُوَ الأَكْثَرُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: «وَأَكْثَرُ كَلاَمِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا:"اسْتَوَى هُوَ وَأَبُوهُ"، وَلاَ يَكَادُونَ يَقُولُونَ:"اسْتَوَى وَأَبُوهُ"، وَهُوَ جَائِزٌ» [1] .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ هَذَا الْخِلاَفَ، عِنْدَ شَرْحِ بَعْضِ تِلْكَ الأَحَادِيثِ، بِلاَ تَرْجِيحٍ، قَالَ الْعَيْنِيُّ: «قَوْلُهُ: (فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ) كَذَا رِوَايَةُ الأَكْثَرِينَ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيِّ: (فَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمُ) بِغَيْرِ لَفْظِ"أَنَا"، وَفِي مِثْلِ هَذَا خِلاَفٌ بَيْنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ» [2] .
وَالرَّاجِحُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّ كِلاَ الْوَجْهَيْنِ جَائِزٌ، وَلَكِنَّ وُجُودَ فَاصِلٍ أَكْثَرُ وَأَفْصَحُ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: «قَوْلُهُ (وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ) ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ [3] : بِنَصْبِ (الْيَتِيمَُ) وَرَفْعِهِ، وَيُرْوَى (وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمُ) مِنْ غَيْرِ تَوْكِيدٍ، وَالأَوَّلُ أَفْصَحُ؛ إِذْ لاَ يُعْطَفُ -غَالِبًا- عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ إِلاَّ مَعَ التَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {? ? ? ?} [4] » [5] .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْوَجْهَيْنِ مَا يَلِي:
أ- أَنَّ قَوْلَ الْبَصْرِيِّينَ:"إِنَّ الْفَاعِلَ كَجُزْءٍ مِنَ الْفِعْلِ؛ لأَنَّهُ مَا مِنْ فِعْلٍ إِلاَّ وَلَهُ فَاعِلٌ؛ لِذَا إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ ضَمِيرًا مُتَّصِلًا، لاَ يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهِ، حَتَّى لاَ يُعْطَفُ اسْمٌ عَلَى فِعْلٍٍ"قَوْلٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى عِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ مَنْطِقِ اللُّغَةِ؛ لأَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الاِسْمِ، وَالْفِعْلِ، وَالْحَرْفِ، مَا يُمَيِّزُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَالضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ -عَلَى اتِّصَالِهِ- مُغَايِرٌ لِلْفِعْلِ وَالاِسْمِ.
(1) معاني القرآن 3/ 95.
(2) عمدة القاري 4/ 111.
والمستملي هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن أحمد، راوي (صحيح البخاري) عن الفربري، حدث عنه أبو ذر، وغيره، توفي سنة ست وسبعين وثلاث مئة (376 هـ) . ينظر: سير أعلام النبلاء 16/ 492.
(3) ينظر: التنقيح 1/ 148، ومصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:187.
(4) سورة البقرة، من الآية:35.
(5) عقود الزبرجد 1/ 101.