فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 1015

2 -أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِذَا كَانَ ذَا شَأْنٍ مُطَاعًا؛ فَإِنَّ تَحْذِيرَهُ لِنَفْسِهِ أَبْلَغُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْذِيرٍ لِغَيْرِهِ بِالأَوْلَوِيَّةِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ -عَنِ الْحَدِيثِ:"وَإِيَّايَ أَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكمُ الأَرْنَبَ": «قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ عَمْرُونَ: هَذَا -وَإِنْ كَانَ تَقْدِيرُهُ: بَاعِدْنِي عَنْ حَذْفِهَا، وَبَاعِدْ حَذْفَهَا عَنِّي- فَإِنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ حَذْفِهَا، لاَ غَيْرُ؛ لأَنَّ الْحَذْفَ لاَ يُحِلُّ الصَّيْدَ إِذَا قُتِلَ، وَالْغَالِبُ قَتْلُ الأَرْنَبِ بِالْحَذْفِ، وَلَوْ قَالَ: لاَ تَحْذِفُوا الأَرْنَبَ، لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّهْيِ مَا فِي هَذَا الْكَلاَمِ» [1] .

ثَالِثًا: أَنَّ لِلْحَدِيثِ: «وَإِيَّايَ أَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكمُ الأَرْنَبَ» رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ هُمَا:

1 - «إِيَّايَ مِنْ أَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ» .

2 - «إِيَّايَ وَأَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ» .

وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَ"إِيَّايَ"ذِكْرُ وَاوِ الْعَطْفِ، أَوْ إِبْدَالُهَا بِـ"مِنْ"، أَوْ عَدَمُ ذِكْرِهِمَا مَعًا، قَالَ السُّيُوطِيُّ: «قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ عَمْرُونَ: .... وَمِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ أَنْ لاَ يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَعْطُوفِ أَنْ يُقَالَ بِغَيْرِ وَاوٍ، نَحْوُ:"إِيَّاكَ وَالشَّرَّ". قَالَ ابْنُ عَمْرُونَ: لأَنَّ الْفِعْلَ الْمُقَدَّرَ لاَ يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ؛ فَلاَ بُدَّ مِنَ الْوَاوِ فِي الثَّانِي، وَقَدْ جَاءَ حَذْفُهَا فِي الشِّعْرِ، فَإِنْ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِـ"مِنْ"، نَحْوُ:"إِيَّاكَ مِنَ الأَسَدِ"، وَ"إِيَّايَ مِنْ أَنْ تَحْذِفَ"، جَازَ أَنْ تُعَدِّيَ الْفِعْلَ بِـ"مِنْ"، وَيَجُوزُ -حِينَئِذٍ- فِي:"إِيَّايَ مِنْ أَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ"حَذْفُ"مِنْ"مِنْهَا؛ لأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ يُحْذَفُ مِنْ"أَنَّ وَأَنْ"قِيَاسًا مُسْتَمِرًا مُطَّرِدًا. انْتَهَى» [2] .

رَابِعًا: أَنَّ الْحَدِيثَ: « ... وَإيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ» قَدْ خُرِّجَ عَلَى غَيْرِ التَّحْذِيرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ"إِيَّايَ"مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى (دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ) .

خَامِسًا: أَنَّ تَحْذِيرَ الْغَائِبِ -كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي مَا تَقَدَّمَ- صَحِيحٌ، قِيَاسًا عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، اللَّذَيْنِ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي صِحَّتِهِمَا.

وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(1) عقود الزبرجد 2/ 267.

(2) عقود الزبرجد 2/ 267.

وابن عمرون هو: جمال الدين، محمد بن محمد بن أبي علي بن أبي سعد بن عمرون، إمام النحو بحلب، تلميذ الموفق ابن يَعِيشَ، أخذ عنه بهاء الدين ابن النحاس، توفي سنة تسع وأربعين وست مئة (649 هـ) . ينظر: سير أعلام النبلاء 23/ 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت