وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
إِنَّ الْعَجُوزَ خَبَّةً جَرُوزَا *** تَأْكُلُ كُلَّ لَيْلَةٍ قَفِيزَا [1]
الشَّاهِدُ قَوْلُهُ:"إِنَّ الْعَجُوزَ خَبَّةً جَرُوزَا"، بِنَصْبِ اسْمِ"إِنَّ"وَخَبَرِهِ مَعًا.
وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
كَأَنَّ أُذْنَيْهِ إِذَا تَشَوَّفَا *** قَادِمَةً أَوْ قَلَمًا مُحَرَّفَا [2]
الشَّاهِدُ قَوْلُهُ:"كَأَنَّ أُذْنَيْهِ ... قَادِمَةً"، بِنَصْبِ اسْمِ"كَأَنَّ"وَخَبَرِهِ مَعًا.
وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
*يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعاَ* [3]
بِنَصْبِ اسْمِ"لَيْتَ":"أَيَّامَ"، وَخَبَرِهِ:"رَوَاجِعًا". [4]
أَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَكَانُوا لاَ يَرَوْنَ جَوَازَ نَصْبِ"إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا"لِلْجُزْءَيْنِ؛ لِذَا أَوَّلُوا كُلَّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الصَّبَّانُ: «ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ، وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ، وَمَنَعَ الْجُمْهُورُ ذَلِكَ، وَأَوَّلُوا مَا ثَبَتَ مِنْهُ ... » . [5]
وَمِنْ تَأْوِيلاَتِ الْبَصْرِيِّينَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) [6] ، رَدًّا عَلَى اسْتِدْلاَلِ الْكُوفِيِّينَ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ وَالأَبْيَات الثَّلاَثَةِ الأُوَّلِ: «وَلاَ حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لإِمْكَانِ رَدِّهِ إِلَى مَا أُجْمِعَ عَلَى جَوَازِهِ:
أَمَّا الْبَيْتُ الأَوَّلُ فَيُحْمَلُ عَلَى تَقْدِيرِ"كَانَ"، وَالأَصْلُ: لَيْتَ الشَّبَابَ كَانَ الرَّجِيعَ، فَحُذِفَتْ"كَانَ"، وَأُبْرِزَ الضَّمِيرُ، وَبَقِيَ النَّصْبُ بَعْدَهُ دَلِيلًا، وَمِثْلُ هَذَا مِنَ الْحَذْفِ لَيْسَ بِبِدْعٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُوَجِّهُ هَذَا التَّوْجِيهَ، فِي كُلِّ مَوْضِعٍ نُصِبَ فِيهِ بَعْدَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ
(1) البيتان بلا نسبة في: شرح التسهيل 2/ 9، وشرح أبيات المغني 1/ 184، والدرر اللوامع 1/ 112.
(2) البيتان من الرجز، وهما بلا نسبة في: شرح التسهيل 2/ 9، ونسب للعماني محمد بن ذؤيب، ولأبي نخيلة في: شرح أبيات المغني 1/ 184، 4/ 177 - 180، والدرر اللوامع 1/ 112.
(3) الرجز للعجاج في: ملحق ديوانه 2/ 306، والكتاب 2/ 142، وشرح الكافية 4/ 349، ورصف المباني ص:298، ونسب لرؤبة -وليس في ديوانه- في: شرح المفصل 1/ 260، والدرر اللوامع 1/ 112، وفيه: أنه من شواهد سيبويه التي ما عرف قائلها، وبلا نسبة في: شرح أبيات المغني 5/ 164، والجنى الداني، ص:492.
وخرج البيت بأن"رواجعا"على الحال والتقدير: يا ليت أيام الصبا لنا رواجعا، أو أقبلت رواجعًا، أو خبر: كانت رواجعا. فلا يكون شاهدا. ينظر: الأصول في النحو/ لابن السراج 1/ 248، والدرر اللوامع 1/ 112.
(4) ينظر: تحصيل عين الذهب، ص:284.
(5) حاشية الصبان على الأشموني 1/ 269.
(6) 2/ 9، 10. وينظر: شرح المقدمة الجزولية الكبير 2/ 802 - 804.