فهرس الكتاب

الصفحة 519 من 1015

وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي زَيْدٍ فَـ"اسْتَحْوَذَ"وَنَحْوُهُ قِيَاسٌ؛ لأَنَّ التَّصْحِيحَ مُطَّرِدٌ -عِنْدَهُ- فِي مَا كَانَ عَلَى"أَفْعَلَ"وَ"اسْتَفْعَلَ".

وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يَرَى قِيَاسِيَّةَ التَّصْحِيحِ فِي مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ، فَفِي"اسْتَحْوَذَ"ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، هِيَ:

1 -أَنَّ لَهُ فِعْلًا ثُلاَثِيًّا فِي مَعْنَاهُ، هُوَ:"حَاذَ"؛ لِذَا فَإِنَّ عَدَمَ إِعَلاَلِهِ شَاذٌّ.

2 -أَنَّ لَهُ فِعْلًا ثُلاَثِيًّا، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ:"حَاذَ"بِمَعْنَى: جَمَعَ؛ لِذَا فَإِنَّ عَدَمَ إِعَلاَلِهِ عَلَى الْقِيَاسِ.

3 -لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ؛ لِذَا فَإِنَّ عَدَمَ إِعْلاَلِهِ عَلَى الْقِيَاسِ.

وَالرَّاجِحُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّ"اسْتَحْوَذَ"لَهُ فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ؛ لأَنَّ"حَاذَ"بِمَعْنَى: جَمَعَ، وَهَذَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى الْغَلَبَةِ، كَمَا فِي"اسْتَحْوَذَ".

فَالْحُكْمُ النِّهَائِيُّ أَنَّ"اسْتَحْوَذَ"وَنَحْوَهُ مِمَّا اطَّرَدَ اسْتِعْمَالًا، وَشَذَّ قِيَاسًا.

ثَانِيًا: أَنَّ اللُّغَوِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُسَوِّغِ لِلشُّذُوذِ فِي تَصْحِيحِ الْوَاوِ أَوِ الْيَاءِ الْمُتَحَرِّكَةِ، وَقَبْلَهَا سَاكِنٌ صَحِيحٌ، إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ، هِيَ:

1 -التَّشْبِيهُ وَالْحَمْلُ عَلَى بَابِ"فَاعَلَ"، وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا تَسْكِينُ مَا قَبْلَ حَرْفِ الْعِلَّةِ.

وَهَذَا رَأْيُ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَابَعَهُ.

2 -التَّنْبِيهُ عَلَى أَصْلِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَفْعَالُ هَذَا الْبَابِ، قَبْلَ نَقْلِ حَرَكَةِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَقَلْبِهِمَا حَرْفًا مُجَانِسًا لِتِلْكَ الْحَرَكَةِ، وَهُوَ التَّصْحِيحُ، «وَلَمْ يُحْفَظْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَجِيءُ عَلَى الأَصْلِ» [1] ، إِلاَّ"اسْتَحَاذَ"فِي قِرَاءَةٍ.

وَهَذَا رَأْيُ جُمْهُورِ التَّصْرِيفِيِّينَ.

3 -أَنَّ"اسْتَحَاذَ"، لُغَةٌ فِي"اسْتَحْوَذَ".

4 -أَنَّ التَّصْحِيحَ فِي هَذَا الْبَابِ -مَعَ تَوَافُرِ شُرُوطِ الإِعْلاَلِ- مَرْحَلَةٌ سَابِقَةٌ مِنَ الْمَرَاحِلِ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ، ثُمَّ تَطَوَّرَتْ، فَحَدَثَ فِيهَا مَا حَدَثَ مِنَ الإِعْلاَلِ.

هَذَا رَأْيُ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ الْمْحْدَثِينَ.

وهَذَا الأَخِيرُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- يَسْلِبُ حِكْمَةَ الْعَرَبِيَّةِ، وَيَنْجَرُّ وَرَاءَ النَّظَرِيَّةِ"الدَّرْوِينِيَّةِ"التَّطَوُّرِيَّةِ السَّائِدَةِ فِي الدَّرْسِ اللُّغَوِيِّ الْحَدِيثِ، وَفِي جَمِيعِ الْعُلُومِ الْغَرْبِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي تَدَّعِي التَّطَوُّرَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى الإِنْسَانِ.

وَيُرَدُّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الأَخِيرِ بِقَوْلِ ابْنِ جِنِّي: «وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِنَا: إِنَّهُ كَانَ الأَصْلُ فِي"قَامَ، وَبَاعَ: قَوَمَ وَبَيَعَ"، وَفِي"أَخَافَ، وَأَقَامَ: أَخْوَفَ، وَأَقْوَمَ"، وَفِي"اسْتَعَانَ، وَاسْتَقَامَ: اسْتَعْوَنَ، وَاسْتَقْوَمَ"أَنَّنَا نُرِيدُ بِهِ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا نَطَقُوا مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ بِـ"قَوَمَ، وَبَيَعَ"، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا مُغَيَّرٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ.

(1) المبدع في التصريف، ص: 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت