وَقَالَ الْمُؤَدِّبُ: «وَيَجِيءُ الْمَصْدَرُ عَلَى لَفْظِ"فَاعِلٍ"، نَحْوُ:"فُلِجَ فَالِجًا"، وَعَلَى"فاعِلَةٍ"مِنْ غَيْرِ الثُّلاَثِيِّ، نَحْوُ:"عُوفِيَ عَافيَةً"، وَ"مَا بَالَيْتُ بِهِ بَالِيَةً"، وَيُقَالُ -أَيْضًا-:"بَالَةً"بِحَذْفِ الْيَاءِ. حَكَى هَذَا كُلَّهُ مُحْمَّدُ بْنُ يَزِيدٍ النَّحْوِيُّ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِ (الْكَامِلِ) [1] » [2] .
وَبِهَذَا يَكُونُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ جَارِيًا عَلَى الْقِيَاسِ وَالأَفْصْحِ، وَهُوَ أَسْمَى غَايَةٍ فِي الْكَلاَمِ.
ثَالِثًا: أَنَّ الْفَيُّومِيَّ ذَكَرَ فِي خَاتِمَةِ (الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ) [3] اعْتِذَارَاتٍ لِلشَّوَاذِّ فِي بَابِ (اسْمِ الْفَاعِلِ) تُخْرِجُهَا مِنَ الشُّذُوذِ، أَوْ تُسَهِّلُ مِنْ أَمْرِهَا، فَقَالَ: «وَشَذَّ مِنْ أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ أَلْفَاظٌ: فَبَعْضُهَا جَاءَ عَلَى صِيغَةِ"فَاعِلٍ": إِمَّا اعْتِبَارًا بِالأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ، نَحْوُ:"أَوْرَسَ الشَّجَرُ": إِذَا اخْضَرَّ وَرَقُهُ،"فَهُوَ وَارِسٌ"...
وَإِمَّا لِمَجِيءِ لُغَةٍ أُخْرَى فِي فِعْلِهِ، وَهِيَ"فَعَُِلَ"، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الاِسْتِعْمَالِ، فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُ اسْمِ الْفَاعِلِ مَعَهَا مِنْ بَابِ تَدَاخُلِ اللُّغَاتِ، نَحْوُ:"أَيْفَعَ الْغُلاَمُ، فَهُوَ يَافِعٌ"، فَإِنَّهُ مِنْ"يَفَعَ"، وَ"أَعْشَبَ الْمَكَانُ، فَهُوَ عَاشِبٌ"، فَإِنَّهُ مِنْ"عَشُبَ".
وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاسْمِ فَاعِلٍ لِلْفِعْلِ الْمَذْكُورِ مَعَهُ، بَلْ هُوَ نِسْبَةٌ إِضَافِيَّةٌ بِمَعْنَى: ذِي الشَّيْءِ، فَقَوْلُهُمْ:"أَمْحَلَ الْبَلَدُ، فَهُوَ مَاحِلٌ"، أَيْ: ذُو مَحْلٍ، وَأَعْشَبَ فَهُوَ عَاشِبٌ، أَيْ: ذُو عُشْبٍ، كَمَا يُقَالُ:"رَجُلٌ لابِنٌ، وَتَامِرٌ"، أَيْ: ذُو لَبَنٍ، وَذُو تَمْرٍ».
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا النَّصِّ أَنَّهُ لاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ"خَاطِئَةٌ"مِنْ تَدَاخُلِ اللُّغَاتِ؛ لِوُجُودِ تَيْنِكَ اللُّغَتَيْنِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) ينظر: الكامل في اللغة والأدب، ص:156، 464.
(2) دقائق التصريف، ص:72.
(3) ص:569، 570.