وَهَذَا يَعْنِي: أَنَّ"حِجَّةً"-بِالْكَسْرِ-، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلْقِيَاسِ، فَإِنَّهَا الأَوْلَى بِالاِسْتِعْمَالِ؛ لأَنَّهَا الْمَسْمُوعُ، كَمَا نَصَّ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ.
وَالصَّحِيحُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّ"حَِجَّةً"-بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ- مَسْمُوعَانِ؛ لأَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ يُعَدُّ -أَيْضًا- مِنَ الْمَسْمُوعِ، خَاصَّةً أَنَّهُ تَوَافَرَتْ فِيهِ شُرُوطُ ثُبُوتِ السَّمَاعِ؛ لِذَا قَالَ أَبُو زَيْدٍ: «وَالْحَجَّةُ مِنْ حَجِّ الْبَيْتَ، الْوَاحِدَةُ، وَيُقَالُ:"حِجَّةٌ"» [1] .
وَمِنْ هُنَا يَكُونُ التَّعَارُضُ بَيْنَ مَسْمُوعَيْنِ؛ فَيَجِبُ تَرْجِيحُ الأَوْثَقِ وَالأَقْيَسِ.
وَلاَ شَّكَ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ"حَجَّةٌ"-بِالْفَتْحِ- أَوْثَقُ مِمَّا وَرَدَ فِي غَيْرِهِ، مَا عَدَا الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ.
وَكَوْنُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَقْيَسَ لاَ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ؛ لأَنَّهُ عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْمَرَّةِ الْقِيَاسِيِّ"فَعْلَةٍ"بِالْفَتْحِ، وَكَوْنُ الْكَلِمَةِ عَلَى الْقِيَاسِ وَالسَّمَاعِ هُوَ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ فِي الْكَلاَمِ.
وَلَعَلَّ هَذَا مَا جَعَلَ بَعْضَ الشُّرَّاحِ يُجِيزُونَ الْوَجْهَيْنِ مَعًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: « ... الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ"حَجَّةَ الْوَدَاعِ"-بِفَتْحِ الْحَاءِ- وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْمَسْمُوعُ مِنَ الْعَرَبِ فِي وَاحِدَةِ الْحَجِّ"حِجَّةٌ"-بِكَسْرِ الْحَاءِ-، قَالُوا: وَالْقِيَاسُ فَتْحُهَا؛ لِكَوْنِهَا اسْمًا لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَيْسَتْ عِبَارَةً عَنِ الْهَيْئَةِ حَتَّى تُكْسَرَ، قَالُوا: فَيَجُوزُ الْكَسْرُ بِالسَّمَاعِ، وَالْفَتْحُ بِالْقِيَاسِ» [2] .
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (حَجَّةَ الْوَدَاعِ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا» [3] .
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) ينظر: نوادر أبي زيد، ص:457.
(2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 1/ 244.وينظر: عقود الزبرجد 1/ 192، والظواهر اللغوية في صحيح الإمام مسلم ص:179 - 181.
(3) فتح الباري 1/ 217.