وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ حَاوَلُوا تَعْلِيلَ الرِّوَايَاتِ الشَّاذَّةِ الْمَسْمُوعَةِ مِنَ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ، فَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَقُولُونَ:"حَمْلًا عَلَى كَذَا"، وَ"لِكَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ"، وَ"لِلْخِفَّةِ"، وَ"دَفْعًا لِلَّبْسِ"، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِلَلِ؛ وَذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرَدُّوا أَيَّةَ رِوَايَةٍ تَوَافَرَتْ فِيهَا شُرُوطُ الأَخْذِ.
وَمِنْ أَهَمِّ تِلْكَ الْعِلَلِ مَا يَلِي:
أَوَّلًا: التَّنْبِيهُ عَلَى الأَصْلِ، أَيِ: التَّنْبِيهُ إِلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، أَوْ أَصْلِ الْقَاعِدَةِ. [1]
مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ يَعِيشَ عَنْ شُذُوذِ نَحْوِ:"أَقْوُسٍ، وَأَثْوُبٍ"جَمْعًا لِـ"قَوْسٍ، وَثَوْبٍ": «وَقَدْ شَذَّتْ أَلْفَاظٌ فَجَاءَتْ عَلَى الْقِيَاسِ الْمَرْفُوضِ، قَالُوا:"أَقْوُسٌ، وَأَثْوُبٌ، وَأَعْيُنٌ، وَأَنْيُبٌ"، جَاءُوا بِهَا عَلَى"أَفْعُلَ"؛ مُنَبِّهَةً عَلَى أَنَّهُ الأَصْلُ» . [2]
ثَانِيًا: مَنْعُ اللَّبْسِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «وَقَالُوا فِي"عِيدٍ":"عُيَيْدٌ"، شُذُوذًا؛ كَرَاهِيَةً لاِلْتِبَاسِهِ بِتَصْغِيرِ"عُودٍ"» . [3]
ثَالِثًا: التَّخْفِيفُ، أَيْ: طَلَبًا لِلْخِفَّةِ مِنْ ثِقَلِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ الْجَارِيَةِ عَلَى الْقِيَاسِ [4] ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"طَائِيٌّ"فِي النَّسْبِ إِلَى"طَيِّءٍ"، جَاءَ فِي (شَرْحِ الشَّافِيَةِ) [5] لِلرَّضِيِّ: «وَقَوْلُهُ: (طَائِيٌّ شَاذٌّ) أَصْلُهَا:"طَيِّئِيٌّ"كَـ"مَيِّتِيٍّ"، فَحُذِفَ الْيَاءُ الْمَكْسُورَةُ، كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ، فَصَارَتْ"طَيْئِيٌّ"بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ قَلَبُوا الْيَاءَ السَّاكِنَةَ أَلِفًا، عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ؛ قَصْدًا لِلتَّخْفِيفِ؛ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ» .
رَابِعًا: الإِتْبَاعُ، كَقَوْلِهِمْ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ"أَنْتَنَ":"مُنْتُنٌ"شُذُوذًا، بِتَحْرِيكِ التَّاءِ ضَمًّا بَدَلَ الْكَسْرِ؛ إِتْبَاعًا لِحَرَكَةِ الْمِيمِ الْمَضْمُومَةِ قَبْلَهَا، قَالَ الصَّبَّانُ: «وَأَمَّا نَحْوُ"مُنْتُنٍ"بِضَمِّ التَّاءِ إِتْبَاعًا فَشَاذٌّ» [6] .
(1) ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:49، وظاهرة قياس الحمل، ص:636.
(2) شرح المفصل 3/ 264.
(3) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك/ لابن هشام 3/ 273.
(4) ينظر: ظاهرة التخفيف في النحو العربي/ للدكتور أحمد عفيفي، ص:99، وما بعدها.
(6) حاشية الصبان على شرح الأشموني 2/ 315.
والصبان هو: أبو العرفان، محمد بن علي، المصري، من شيوخه خليل بن محمد المغربي المالكي، ومحمد بن أحمد العشماوي، ومن مؤلفاته:"الكافية الشافية في علمي العروض والقافية"منظومة، و"حاشية على شرح الأشموني على الألفية"في النحو، توفي بالقاهرة، سنة (1206 هـ=1792 م) . ينظر: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر/ للسيد محمد خليل المرادي 1/ 239، 2/ 82، 83، والأعلام/ للزركلي 6/ 297.