وَوَجْهُ الشُّذُوذِ فِي هَذَيْنِ الْمَصْدَرَيْنِ: أَنَّ فِعْلَهُمَا عَلَى وَزْنِ"فَعِلَ"الْمُتَعَدِّي، بِدَلِيلِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ ... » ، حَيْثُ نَصَبَ الْمَفْعُولَ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ:"شَرِبَ الْمَاءَ"، وَعَلَى ذَلِكَ، فَقِيَاسُ مَصْدَرِهِمَا أَنْ يَكُونَ"فَعْلًا"، قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ: «"فَعِلَ، يَفْعَلُ، فَعْلٌ"الأَصْلُ، مِثْلُ:"حَمِدَ حَمْدًا"... » [1] ، وَيَقْصِدُ بِالأَصْلِ أَنَّهُ الْقِيَاسُ.
وَلَكِنَّ"شُرْبًا"فَإِنَّ الْقَوْلَ بِشُذُوذِهِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهِ مَصْدَرًا إِلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْلُ الأَوَّلُ: أَنَّ"شُرْبًا"مَصْدَرٌ مُثَلَّثُ الْفَاءِ. [2]
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ"شُرْبًا"اسْمٌ، وَلَيْسَ مَصْدَرًا، وَإِنَّمَا الْمَصْدَرُ"شَرْبٌ"، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: «قَالَ أَبُو عَبَيْدَةَ [3] : وَيُقْرَأُ { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [4] ، وَ {شَرْبَ الْهِيمِ} ، وَ {شِرْبَ الْهِيمِ} ، قَالَ: وَالرَّفْعُ وَالْخَفْضُ اسْمَانِ مِنْ"شَرِبْتُ"، وَالْفَتْحُ مَصْدَرٌ، كَمَا تَقُولُ:"شَرِبْتُ شَرْبًا"» [5] .
وَعَنْ هَذَا الْخِلاَفِ يَقُولُ الْفَيْرُوزَابَادِيُّ: «شَرِبَ كَسَمِعَ، شَرْبًا، وَيُثَلَّثُ، وَمَشْرَبًا، وَتَشْرَابًا: جَرَعَ، وَأَشْرَبْتُهُ أَنَا، أَوِ الشَّرْبُ: مَصْدَرٌ، وَبِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ: اسْمَانِ، وبِالْفَتْحِ: الْقَوْمُ يَشْرَبُونَ، كَالشُّرُوبِ، وَ-بِالْكَسْرِ-: الْمَاءُ، كَالْمَشْرَبِ، وَالْحَظُّ مِنْهُ، وَالْمَوْرِدُ، وَوَقْتُ الشُّرْبِ» [6] .
(1) الأصول في النحو 3/ 87.
(2) ينظر: إصلاح المنطق، ص:9، 84.
(3) لم أجد قوله هذا في مجاز القرآن 2/ 251 عند تفسير هذه الآية.
(4) سورة الواقعة، الآية: 55.
قرأ بالضم أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة، وقرأ الباقون بالفتح. ينظر: المبسوط، ص:361، وكتاب تحبير التيسير، ص:573، والاتحاف، ص:530. وقراءة الضم والفتح بلا نسبة في: الحجة/ لابن خالويه، ص:341.
(5) إصلاح المنطق، ص: 85، 86.
(6) القاموس (ش ر ب) .
والفيروزابادي هو: القاضي مجد الدين، أبو طاهر، محمد بن يعقوب مجد الدين الشيرازي، ولد بكارزين -بكسر الراء وقد تفتح- من أعمال شيراز، سنة (729 هـ) ، جال في البلدان طلبا للعلم، حتى أصبح من أئمة اللغة والأدب، من مؤلفاته:"القاموس المحيط"، و"بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز"، و"منح الباري بالشيح الفسيح المجاري في شرح صحيح البخاري"، كمَّل ربع العبادات منه في عشرين مجلدة، ويخمن تمامه في أربعين مجلدًا، توفي سنة (817 هـ) . ينظر: الضوء اللامع، رقم (274) 10/ 79.