وَهَذِِهِ الثَلاَثُ الأَخِيرَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْفُصْحَى-فِي نَظَرِ اللُّغَوِيِّينَ- بَلْ وَصَفَهَا بَعْضُهُمْ بِالْعَامِيَّةِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الشُّرَّاحُ بِأَنَّ"وَقِيَّةً"لُغَةٌ صَحِيحَةٌ فَصِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً، وَلَيْسَتْ بِعَامِيَّةٍ؛ لِوُرُودِهَا فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ.
وَالْحَقُّ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- مَعَ الشُّرَّاحِ؛ لأَنَّ نَفْيَ الأَفْصَحِيَّةِ لاَ يَعْنِي نَفْيَ الْفَصَاحَةِ وَالصِّحَّةِ.
وَيُسْتَدْرَكُ عَلَى مَا مَضَى: أَنَّ لِـ"أُوقِيَّةٍ"وَجَمْعِهَا لُغَاتٍ فِي أَحَادِيثِ (الصَّحِيحَيْنِ) ، جَمَعَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ: « ... جَرَى فِي غَيْرِ حَدِيثٍ فِي"الزَّكَاةِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالْبُيُوعِ"ذِكْرُ (الأُوقِيَّةِ، وَالأَوَاقِيُّ) -وَاحِدُهَا مَضْمُومُ الْهَمْزَةِ، مُشَدَّدُ الْيَاءِ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ- كَذَا أَكْثَرُ رِوَايَاتِنَا فِي الْكُتُبِ، مِثْلُ"أُضْحِيَّةٍ وَأَضَاحِيٍّ وَكُرْسِيٍّ وَكَرَاسِيٍّ"، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الرُّاوَةِ عَنْ شُيُوخِنَا يَقُولُ فِيهَا فِي الْجَمْعِ"أَوَاقٍ"، مِثْلُ"أَضَاحٍ، وَجَوَارٍ"، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي فِي الْوَاحِدِ"وَقِيَّةً"، وَكَذَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي الشَّهِيدِ [1] ، فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَفِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ لِجَمِيعِهِمْ فِي"الشُّرُوطِ"، وَخَطَّأَ هَذَا الْخَطَّابِيُّ، وَجَوَّزَهُ ثَابِتٌ [2] ، كَمَا قَالُوا:"أَثَافٍ"، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ فِي الْوَاحِدِ"وَقِيَّةً"، قَالَ: وَيُجْمَعُ"وَقَايَا"، مِثْلُ"ضَحِيَّةٍ وَضَحَايَا"، وَبَعْضُ الرُّوَاةِ يَمُدُّ أَلِفَ"آوَاقٍ"، وَهُوَ خَطَأٌ» [3] .
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) القاضي الشهيد هو: أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن خلف التجيبي، المعروف بابن الحاج، ولد سنة (458 هـ) ، قاضي الجماعة بقرطبة؛ أخذ عن أبي مروان عبد الملك بن سراج، وكان معتنيًا بالحديث، والآثار، والغريب والأنساب، وغيرها، قتل ظلمًا بالمسجد الجامع بقرطبة، سنة (529 هـ) . ينظر: سير أعلام النبلاء 19/ 614، وتاريخ قضاة الأندلس، ص:102.
(2) ثابت هو: أبو القاسم، ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف السرقسطي، ممن سمع منهم: الجوهري، والنسائي، كان عالما بالحديث، واللغة، والنحو، والغريب، والشعر، من مؤلفاته كتاب"الدلائل". توفي بسرقسطة سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة من الهجرة (313 هـ) ، عن نحو (95) عاما. ينظر: إنباه الرواة 1/ 261، وإشارة التعيين، ص:71، وبغية الوعاة 1/ 481.
(3) مشارق الأنوار 1/ 144.