فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 1015

أَوَّلًا: أَنَّ ضَمِيرَ الْجَمْعِ قَدْ يَعُودُ عَلَى مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ، كَعَوْدِهِ عَلَى الْمُثَنَّى، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْجِيهِ مَا وَرَدَ مِنْ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ:

فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلاَفِيَّةٌ تُرَاجَعُ فِي مَظَانِّهَا. [1]

وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى، كَتَعْظِيمِ الْمُثَنَّى.

وَمِنْهُمْ حَمَلَهُ عَلَى الْجَمْعِ حَقِيقَةً، بِإِلْحَاقِ غَيْرِ الْمَذْكُورَيْنِ بِهِمَا تَقْدِيرًا.

وَمَهْمَا كَانَ الأَمْرُ فَإِنَّ ذِكْرَ شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ، ثُمَّ إِعَادَةُ الضَّمِيرِ إِلَيْهِمَا جَمْعًا، - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَثْرَتِهِ- مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ فِي بَابِ الْمُثَنَّى؛ لأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَرِدَ فِيهِ الضَّمِيرُ مُثَنًّى مُطَابَقَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَائِدِ إِلَيْهِ.

ثَانِيًا: أَنَّ جَمْعَ الاثْنَيْنِ فَصِيحٌ صَحِيحٌ، وَرَدَ فِي عَدَدٍ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ؛ لِذَا فَالْمُخَالَفَةُ فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسُ، لاَ مِنْ حَيْثُ الأَفْصَحِيَّةُ؛ لِوُرُودِهَا بِاللُّغَةِ الْفُصْحَى؛ إِذْ لَمْ يَنْسِبْ أَحَدٌ-حَسَب عِلْمِي- مِنَ النَّحْوِيِّينَ وَاللُّغَوِيِّينَ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ (عَوْدُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ إِلَى الْمُثَنَّى) إِلَى لَهْجَةٍ مِنَ لَهَجَاتِ الْعَرَبِ الْقَلِيلَةِ الْمَرْجُوحَةِ، حَتَّى يُحْكَمَ بِأَنَّهَا مِنَ اللُّغَاتِ الْفَصِيحَةِ لاَ مِنَ الْفُصْحَى.

ثَالِثًا: أَنَّهُ وَرَدَ الْحَدِيثُ (ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا) فِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: (رَأَتَاهَا) عَلَى الْقِيَاسِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَلِلْكَشْمِيهَنِيِّ وَالأَصِيلِيِّ"رَأَتَاهَا"» [2] .

وَقَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: «وَلأَبِي ذَرٍّ [3] وَالأَصِيلِيِّ"رَأَتَاهَا"بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَةِ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ عَلَى الأَصْلِ» [4] .

كَمَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ بِلَفْظِ (رَأَيَاهَا) بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ [5] ، وَوَرَدَ بِلَفْظِ (رَأَتْهَا) [6] .

(1) ينظر: الكتاب 2/ 48، والإيضاح في علل النحو/ للزجاجي، ص:137، والإحكام في أصول الأحكام/ لابن حزم 1/ 421 - 426، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم 7/ 224 - 225 (القسم الثاني- الجزء الرابع) .

(2) فتح الباري 1/ 625.

(3) أبو ذَرٍّ هو: أحمد بن محمد، الهروي، يعرف بابن السَّمَّاك، روى (صحيح البخاري) عن ثلاثةٍ هم: المستملي، والحموي، والكشميهني، وممن أخذ عنه: أبو الوليد الباجي، توفي سنة أربع وثلاثين وأربع مئة (434 هـ) ، وقيل: سنة (435 هـ) . ينظر: تذكرة الحفاظ 3/ 1103 - 1106، وسير أعلام النبلاء 17/ 554 - 563.

(4) إرشاد الساري 2/ 88.

(5) ينظر: السابق نفسه.

(6) ينظر: التوشيح 2/ 509

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت