وَمِنْهَا: قَوْلُهُ (: «فَكَرِبْتُ كُرْبَةً مَا كَرِبْتُ مِثْلَهُ» ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «وَالضَّمِيرُ فِي(مِثْلَهُ) يَعُودُ عَلَى مَعْنَى الْكُرْبَةِ، وَهُوَ: الْكَرْبُ، أَوِ الْغَمُّ، أَوِ الْهَمُّ، أَوِ الشَّيْءُ» [1] .
فَلَوْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إِلَى لَفْظِ الْكُرْبَةِ لَكَانَ مُؤَنَّثًا، فَيُقَالُ: (مِثْلَهَا) ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَعْنَاهَا، وَهُوَ مُذَكَّرٌ، ذُكِّرَ.
وَمِنْهَا: مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ رَفْعِ الأَمَانَةِ: «كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفَطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا» ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ: (نَفَطَ) ، وَلَمْ يَقُلْ (نَفَطَتْ) مَعَ أَنَّ"الرِّجْلَ"مُؤَنَّثَةٌ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَّرَ (نَفَطَ) إِتْبَاعًا لِلَفْظِ"الرِّجْلِ"، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إتْبَاعًا لِمَعْنَى الرِّجْلِ، وَهُوَ الْعُضْوُ» [2] ، أَيْ: إِنَّهُ كَمَا يُذَكَّرُ الضَّمِيرُ مُرَاعَاةً لِمَعْنَى عَائِدِهِ، فَإِنَّهُ يُذَكَّرُ -أَيْضًا- اتِّبَاعًا لِلَفْظِ عَائِدِهِ.
ثَانِيًا: عَوْدُ الضَّمِيرِ الْمُؤَنَّثِ إِلَى مُذَكَّرٍ: مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ (: «فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا» ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «قُلْتُ: مَوْضِعُ الإِشْكَالِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ:(فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا) فَأَنَّثَ الضَّمِيرَ الْعَائِدَ عَلَى الْخَيْرِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ، لَكِنَّ الْمُذَكَّرَ يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ إِذَا أُوِّلَ بِمُؤَنَّثٍ، كَتَأْوِيلِ الْخَيْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ إِلَيْهِ النَّفْسُ الصَّالِحَةُ بِالرَّحْمَةِ، أَوْ بِالْحُسْنَى، أَوْ بِالْيُسْرَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [3] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [4] » [5] .
ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ [6] وَالْعَيْنِيُّ كَلِمَةَ (إِلَيْهِ) زِيَادَةً بَعْدَ (تُقَدِّمُونَهَا) ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي (إِلَيْهِ) يَرْجِعُ «إِلَى الْخَيْرِ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ [7] ، أَوِ الإِكْرَامِ الْحَاصِلِ لَهُ فِي قَبْرِهِ، فَيُسْرَعُ بِهِ؛ لِيُلْقَاهُ قَرِيبًا» [8] .
وَنَسَبَ الْعَيْنِيُّ [9] ، وَالْقَسْطَلاَّنِيُّ [10] إِلَى ابْنِ مَالِكٍ رِوَايَةَ «"تُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهَا» ، وَأَنَّهُ أَوَّلَهُ بِتَقْدِيرِ: تُقَدِّمُونَ الْمَيِّتَ إِلَيْهَا أَيْ: إِلَى الْخَيْرِ، وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ فِي (إِلَيْهَا) عَلَى تَأْوِيلِ الْخَيْرِ بِالرَّحْمَةِ أَوِ الْحُسْنَى، أَوِ الْبُشْرَى."
(1) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 2/ 407. وينظر: عقود الزبرجد 2/ 430.
(2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 2/ 348.
(3) سورة يونس، من الآية:26.
(4) سورة الليل، الآية:7.
(5) شواهد التوضيح والتصحيح، ص 84 - 86.
(6) ينظر: فتح الباري 3/ 218.
(7) ينظر: عمدة القاري 8/ 113
(8) إرشاد الساري 3/ 397.
(9) ينظر: عمدة القاري 8/ 113.
(10) ينظر: إرشاد الساري 3/ 397.